الذهب كوسيط للتبادل الدولي
التخلص من الدولار: هل هو ممكن؟
بقلم: رياض حاوي
قبل سنتين تقريبا كنا في ملتقى الفكر الابداعي وقدم تان سري “سنوسي جنيد” وهو رجل ترعرع في البنوك الماليزية قبل ان يصبح وجه سياسي وبعدها رئيس الجامعة الاسلامية العالمية الماليزية مداخلة طريفة أشار فيها لبعض الأفكار الغريبة، ومن بين تلك الأفكار التي طرحها واعتبرت طريفة جدا بل ربما جنونية فكرة انشاء “عملة” خاصة بالجامعة الاسلامية العالمية يتم تداولها داخل أروقة الجامعة وفي نطاقها!! ويكون هناك مكاتب صرافة داخل الجماعة تبادل “عملة الجامعة” بأي عملة أخرى، خاصة ان الجامعة العالمية بماليزيا تضم أكثر من 100 جنسية مختلفة!
الفكرة أثارت كثيرا من الضحك، والرجل كان يتحدث مازجا الجد بالهزل ولعل خبرته الطويلة في النظام البنكي الماليزي جعلته يطرح مثل هذه الأفكار اللامعقولة، وحتى يخفف من وطئت الضحك اشار للفوائد البيداغوجية التي سيجنيها الطلبة من تعلم مثل هذه الآلية المرتبطة بالمال ويكتسبون مهارة ميدانية في واحد من أعقد مشكلات النظام الاقتصادي العالمي المعاصر! مشكلة قيمة العملة!
الفكرة “المجنونة” التي طرحها سنوسي جنيد في رحاب الجامعة الاسلامية العالمية بماليزيا هي فكرة يتم الآن تبنيها من بع

ض الاقتصاديين في مستويات محلية بل يتم الآن تطبيقها في بعض المدن والقرى الصغيرة في بريطانيا وحتى الولايات المتحدة الامريكية.
قدمت البي بي سي قبل بضعة أسابيع تقريرا طريفا ولكنه جاد إلى أبعد الحدود يتناول مشروع تبني عملة محلية داخل مقاطعة لوي البريطانية، واكتشفنا من التقرير أن هناك مدينة اخرى هي مدينة توتنس طبقت الأمر منذ اكثر من سنة وانطلقت عملية تداول العملة “السحرية” في 7 مارس 2007، وهاهي مدينة أخرى تعتزم القيام بنفس الأمر كما أبدت مدينة ويلش نفس الاهتمام أي ان “وباء” التخلص من العملات “المهيمنة” بدأ ينتقل من مكان إلى آخر.
انتظر قليلا
الأمر ليس فقط في بر
يطانيا فهناك جمعية غير حكومية في بيركشاير أصدرت عملة “البيركشاير” في الولايات المتحدة جنوب ماشاسوتش وهناك اكثر من 300 محل تجاري وافق على قبول التداول بهذه العملة “العجيبة” في هذه المقاطعة الأمريكية..
فكرة العملة المحلية جاءت بسبب الفشل المتكرر في محاربة ظاهرة التضخم على الصعيد الوطني، واذا استمرت معدلات التضخم متسارعة كما هو الحال الآن فإن الأسعار ستتضاعف بشكل مستمر طول الوقت وبدون توقف، ولكن الحل الجزئي او المحلي ممكن لان العملة المحلية تشجع على بقاء الثروة داخل منطقة معينة بدلا من هجرتها عبر قنوات الدولار واليورو إلى اماكن أخرى! والأهم من ذلك أنها تمنع استيراد التضخم الذي يأتي مخزن في الأوراق النقدية المهيمنة التي تفقد قيمتها يوما بعد يوم.
القضية أنك تفكر في الموضوع بشكل مختلف وخارج النطاق المرسوم ويمكن اختيار الأفكار من خارج العلبة التقليدية للأفكار، فتبدو الصورة مختلفة وفي النهاية أليست العملة هي مجرد ورقة نتفق جميعا على ان لديها قيمة تبادلية سواء هذا الاتفاق تضامني كما هو حال هذه البلدات البريطانية أو بقوة القانون كما هو حال العملات الوطنية التي يصدرها البنك المركزي أو بقوة الامر الواقع كما هو حال الدولار على الصعيد الدولي!
الدرس الاول المستفاد ان التخلص من العملة المهيمنة امر ممكن، وليس مستحيلا كما يدعي بعض “المضللين” الاقتصاديين! سواء كانت هذه العملة دولارا أو أورو او جنيه استرليني!
والدرس الثان
ي ان الحلول البديلة ممكنة وقابلة للتطبيق حتى ولو بصورة تضامنية كما هو حال هذه البلدات البريطانية الصغيرة.
والدرس الثالث أن توفر الارادة كفيل بابداع الحلول ووضعها حيز التطبيق، والتجربة في حد ذاتها تصحح آلياتها بشكل مستمر، وما هو فكرة مجنونة في مؤتمر قد تصبح حلا سحريا لمشكلات طالما نظرنا لها على انها معقدة وعويصة بل غير قابلة للحل.
ولكن قد يجادل البعض أنه على الصعيد الدولي تبدو الأمور أكثر تعقيدا! فهناك مبادلات تتم بعشرات الملايير من الدولارات يوميا وتبلغ سوق العملة ترليونات من الدولارات وهي اكبر سوق على الاطلاق.
الحلول الصغيرة مثل جنيه توتنس هي خطوة أولية تعيد بعث النقاش الحقيقي حول العملة ووسائط المبادلة، لان الميكانيزم هو نفسه فقط يتسع او يضيق بحسب اتساع أو تقلص المقياس الذي ننظر به.
الجميع يسلم بكون الدولار ناقل للتضخم عبر القارات، أي أن التضخم الذي ينشأ محليا بسبب تباطؤ عجلة الاقتصاد يزيده الدولار المتهاوي اشتعالا ويصبح التضخم مكون من رقمين الرقم المحلي والرقم المستورد عبر قاطرة الدولار الذي يفقد قيمته بشكل متواصل منذ عدة سنوات!
ومن ثم يصبح من المنطقي التفكير من التخلص من هذه القاطرة التي تجلب الحرائق وتأكل الأخضر واليابس.
هناك نقاش كبير حول أهمية العودة للذهب كوسيط مستقر وقابل للتداول على الصعيد الدولي خاصة ان تكنولوجيا الاقتصاد سمحت بنمو وتطور المبادلات البنكية الرقمية بصورة كثيفة تجعل مشكلة تبادل حمولة من الذهب غير مطروحة أصلا. لأنه من البداية عندما يتم تحويل مبلغ من المال (بالدولار) من دولة إلى أخرى ليست هناك طائرات تتنقل بين الدول تقوم بنقل طرود المال بين هذه الدولة وتلك، الأمر كله يتم بطريقة كمبيوترية معقدة تصب دائما في مصلحة البنوك العالمية خاصة الأمريكية. والبنوك المركزية المحلية هي التي تتحمل عبئ تغطية المبالغ بالعملات المحلية بحسب سعر الصرف.
ولذلك تعاني البنوك المركزية في الدول الفقيرة عندما يأتي المواطنون ويطالبونها بتسليمهم المبالغ التي تم تحويلها من ذويهم في الخارج! لأن البنك لم يستلم ورقة خضراء واحدة بل مجرد ارقام في شاشة الكمبيوتر؟؟ وعليه أن ينتظر حتى يقوم البنك المحلي بجمع بعض الورقات من السوق المحلي عن طريق ايداع مواطنين آخرين فيسلمها للمواطن الأول الذي يطالب بماله الذي حول له من الخارج!
وهذا في حد ذاته رد على بعض الاقتصاديين الذين يضحكون من فكرة تعويض الدولار بالذهب، لان المسألة ليست تبادل حمولة الذهب بقدر ما هي الخروج من القيمة المتذبذبة للدولار إلى قيمة أكثر استقرارا وهي قيمة الذهب الذي أثبت طول الوقت أنه مستقر، فالتبادل الفيزيائي للعملة غير موجود حتى في الدولار الورقي، وهو نفس الأمر الذي يصدق على الذهب اذا تحول إلى وسيط للتبادلات الدولية!
الذهب له قيمة في حد ذاته وهذا ثابت عبر العصور، ولكن العملة الورقية مضافا لها العملة الكمبيوترية لا تملك قيمة في ذاتها ولكن قيمة مفروضة من خارجها، فالحكومات يمكنها ان تطبع ما تشاء من ورق العملة ولكنها لا يمكنها ان تصنع ما تشاء من سبائك الذهب. وبسبب هذه السياسات بلغت الليرة التركية 1.5 مليون ليرة مقابل دولار واحد وكل من زار تركيا قبل دخول العملة الجديدة حيز التطبيق يلاحظ مقدار العنت الاقتصادي الناجم عن طباعة الأوراق النقدية بدون رقيب ولا حسيب. كمن يعالج الحريق بصب البنزين على النار الملتهبة.
و100 غرام ذهب في أمريكا هي 100 غرام ذهب في اثيوبيا ليس هناك فرق، وهكذا يمكن ان يعلن مُصدر لبضاعة ما قيمة بضاعته بالذهب (الدينار الذهبي) للمستورد وهو نفس الاعلان الذي يقدمه لبنكه المركزي، ويقوم البنك المركزي بدفع قيمة البضاعة بالعملة المحلية للمصدر، تعادل قيمة الذهب المعلن في الفاتورة، ويقوم المستورد بدفع قيمة الفاتورة بالعملة المحلية إلى بنكه المركزي (ما يعادل الدينار الذهبي).
وهنا يخرج الصغار من المشهد ليبدأ لعب الكبار، البنكين المركزيين في الدولتين (المصدرة والمستوردة)، لتحدث المقاصة نهاية كل شهر أو نصف سنة أو سنة ويتم فقط دفع الفروق الناجمة عن سنة من التبادل التجاري وليس كل عقد بحد ذاته.
وتكنولوجيا الاقتصاد بلغت حدا من التطور والدقة ما يسمح بهذا وبأكثر منه.
فهل سيكون اليوم الذي سنشهد فيه ميلاد جنيه لندن الذهبي وجنيه مانشستر الذهبي ودينار ورقلة الذهبي ودينار الأغواط الذهبي قريبا!
لما لا!
توتنس ليست أفضل من ورقلة!
****************
يمكن مشاهدة التقرير في الرابط التالي: http://news.bbc.co.uk/1/hi/programmes/working_lunch/7392286.stm بعنوان: Lewes plans its own local currency
ؤلجع هذا الرابط:
http://transitionculture.org/2007/07/17/local-mp-enthuses-about-transition-town-totnes/