المضاربة ودورها في رفع الأسعار عالميا
بقلم: رياض حاوي
هناك النفط الحقيقي الموجود في أعماق الأرض وفي خزانات الدول المنتجة وهناك النفط الورقي أو بعبارة أصح النفط الكمبيوتري، وهناك الزيت الحقيقي المعبأ في القارورات للاستهلاك أو التصنيع وهناك الزيت الكمبيوتري الموجود فقط في شاشات الكمبيوتر.. هناك العقار المبني الذي يرتفع فوق الأرض عشرات الأدوار وهناك العقار الكمبيوتري الموجود في شاشات الكمبيوتر.
عندما تشتري قارورة زيت الطعام من فئة واحد لتر فإنك تحملها معك إلى البيت لتستعملها في الاستهلاك اليومي.. لكن هناك مجموعة من التجار من يشترون كميات كبيرة جدا من الزيت لكن لا أحد منهم نرى أمام بيته حاوية معبأة من الزيت الذي اشتراه بمجرد الضغط على أزرار الكمبيوتر؟!
ولنفترض أن هناك 10 قارورات زيت في محل تجاري في جانب الطريق منطقيا فإن العشر قارورات تغطي احتياجات 10 زبائن كل زبون يأخذ قارورة. المشكلة تبدأ في حالة وجود عشرين زبون يتنافسون على 10 قارورات والبائع يقوم باعطاء العشرة الأوائل القارورات العشر المتوفرة ويبيع العشرة الآخرين عشر قارورات اضافية ليس موجودة عنده في المحل. وهؤلاء المشترين الجدد يقومون بدورهم ببيع العشر قارورات التي اشتروها ولم يروها ولا لمسوها ولا هم في حاجة لرؤيتها لعشرة مشترين جدد جاؤوا يتنافسون على هذه البضاعة التي دلتهم دراساتهم على أن سعرها سيرتفع ومن ثم يأملون في بيعها بأسعار أفضل في المستقبل… وهكذا دواليك..
كل عمليات البيع والشراء تحدث في المستقبل لبضائع ستكون موجودة في المستقبل بأسعار هي الآن أمر واقع بسبب هذا الطلب الكبير وانحسار العرض.
هذه الصورة المصغرة هي تمثيل مبسط لعصب أسواق المواد الغذائية الكبرى في العالم.
فالبضائع الموجودة في شاشات الكمبيوتر تباع وتشترى ببلايين الدولارات، دون أن يكون لها وجود فعلي بل وجودها مستقبلي، ولذلك ما يسلم فعليا في الزمن الحاضر هو أشياء تم بيعها قبل شهور أي بأسعار قديمة وما هو مطروح من أسعار اليوم ستظهر بضاعته بعد شهور.. وكما هو قانون العرض والطلب كلما زاد الطلب كلما ارتفع السعر خاصة مع محدودية العرض.
صناديق الاستثمار الكبرى
هناك عمليات شراء تقوم على الحاجة الفعلية لما نشتريه فعندما أدخل قارورة زيت إلى البيت فأنا في حاجة لهذه القارورة لاستعمالها، وهذا ما جعل الكثيرين ينتقدون التصريحات الغربية التي تتهم الصين والهند بكونهما السبب الرئيسي في رفع الأسعار بسبب زيادة استهلاكهما لكل شيء وبالتالي زيادة طلبها على المواد. ورد هؤلاء بأن حاجتنا للمواد هي حاجة فعلية فنحن نستعملها ولكن هناك عوامل اخرى موجودة عندكم في الغرب هي التي تؤدي إلى رفع الأسعار..
وبدأت الأنظار تتجه إلى صناديق الاستثمار الغربية الباحثة عن الربح السريع والتي تريد مراكمة الثروة.. وذلك عبر المضاربة على الأسعار ودخول البورصات بكتلة مالية ضخمة تبيع وتشتري البضائع دون حاجة فعلية لها بل حاجة لأخذ الربح الناجم عن الفرق بين سعر الدخول وسعر الخروج.
وتوفر التكنولوجيا المعاصرة فرصة ذهبية لهذه الصناديق فهي تشتري بضائع دون أن تتحمل عبئ تخزينها أو شحنها أو بيعها في الأسواق.. انها مجرد أرقام على شاشة الكمبيوتر.. لكنها أرقام تدر ملايين الدولارات في لحظات من الزمن كما انها قد تجر بلايين الخسائر الفعلية في ساعات معدودة!!
في 20 ماي الماضي 2008 قدم ميكائل ماستر وهو مسير محفظة استثمارية تقريرا أمام لجنة الامن الداخلي والشؤون الحكومية الأمريكية باعتباره خبيرا في شؤون وول ستريت وقال بكل وضوح أن صناديق الاستثمار مسؤولة بشكل كبير عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية والنفط في الأسواق العالمية.
هناك الرافعات الحقيقية وهي معادلة الطلب الفعلي والعرض الفعلي ولا احد ينكر ان تحسن مستويات المعيشة في دول آسيا رفع الطلب على المواد الاستهلاكية، لكن صناديق الاستثمار أضافت طلبا وهميا على المواد الغذائية والنفط والذهب مما ضاعف نسبة الزيادة في الأسعار لتدخل حيز الخطر على الاستقرار العالمي بسبب أزمة الغذاء وزيادة التضخم في معظم الدول.
صناديق الاستثمار هي بكل بساطة البديل العملي وفق الرؤية الرأسمالية عن مشكلة الربا التي تعاني منها كل الاقتصادات الرأسمالية والتي تعتبر خطرا متجذرا في بنية الاقتصاد. فالبنوك لم تعد قادرة على تغطية الحاجات المتزايدة للمواطنين من عملية الادخار لانها في أحسن الاحوال لن تعطي اكثر من 3% إلى 4% سنويا كفائدة ربوية من عملية الايداع بينما نسبة التضخم تتجاوز هذه الأرقام ومن ثم لا معنى لما تحصله من أرباح من تجميد الاموال في البنوك ما دام التضخم يمتص الفائدة الربوية المحصلة. وهنا جاءت فكرة تشغيل الأموال النائمة عن طريق صناديق الاستثمار بهدف تجاوز نسبة 4% البنكية إلى نسبة تتراوح بين 10% إلى 20% وهي نسبة مغرية جدا لا يمكن لأي بنك ان يوفرها مهما علا قدره.
صناديق الاستثمار هي بكل بساطة محافظ مالية كبرى تتكون عادة من مؤسسات التقاعد، التي تجمع مدخرات المتقاعدين مثلا وتقوم باستثمارها وتوزيع الأرباح على كل وحدة، أوالصناديق السيادية، وهي صناديق تابعة للدول والحكومات، وغيرها من المؤسسات الاستثمارية وحتى البنوك دخلت الموجة وبدأت تنشأ المحافظ المالية الخيالية وتدع المواطنين للمساهمة فيها بأقل التكاليف واعدة إياهم بأرباح مغرية في حالة تحقيق النجاح طبعا.
وكل محفظة مالية لا يقل رأس مالها عن 50 مليون دولار وبعضها يصل إلى ملايير الدولارات. وبمجرد توفر المبلغ المناسب يبدأ مديرو المحافظ في البحث عن مواطن الربح في مختلف بقاع الأرض خاصة ان تكنولوجيا الاقتصاد قد بلغت الذروة في السرعة والفعالية والدقة والانتشار الاخطبوطي بشكل غير مسبوق في التاريخ.
وعندما بدأت أمريكا لعبة الدولار بدأ العارفون بخفايا الاقتصاد والضالعون في البيانات والمؤشرات ولغة السوق المعاصرة يشمون رائحة الحريق في البيت الأمريكي، فبدأؤوا ينسحبون من الأسواق التقليدية الغربية باحثين عن فرص استثمارية جديدة في مناطق أخرى وكان من الواضح أن سوق النفط والذهب والمواد الغذائية هو حنفية الأرباح الجديدة.
لقد كانت الخيارات أمام صناديق الاستثمار محدودة جدا فلو تم استثمار 1000 دولار في سوق المال الأمريكي في 2007 فإن الربح هو 64 دولار بواقع 6.4% ولكن اذا استثمر في الصين فإن الناتج لا يقل عن 1798 دولار أي بواقع 179.8% واذا استثمر في الهند فإن الناتج 640 دولار أي 64% على رأس المال، الأمر الذي أدى إلى فرار صناديق الاستثمار من الأسواق التقليدية إلى الأسواق الجديدة المربحة..
لكن هذا الفرار أدى إلى خلل في السوق، مثل المشتري الذي لا يعرف بضاعته جيدا ويقوم فقط بالتقليد لأنه سمع بأن هذا المنتج يدر أرباحا فقام بشرائه حتى يأخذ حصته من الكعكة. وهكذا انكسرت معادلة العرض والطلب التقليدية بسبب ظهور الطلب الوهمي الناجم عن مضاربة الصناديق!
منظمة الأوبيك تستعرض الانتاج بطاقتها القصوى وتعرض أكبر حصة في تاريخها منذ بداية السبعينات!! ومع ذلك الأسعار مرتفعة.. وليس هناك من يلام إلا المضاربة!
تقوم صناديق الاستثمار بتخصيص جزء من الرأس مال الذي تملكه لسوق المواد الاستهلاكية المستقبلية وتزايد التزاحم على هذا السوق حتى ارتفعت الاموال من 13 مليار دولار كحركة يومية في 2003 إلى 260 مليار دولار في مارس 2008 وأدى هذا الدخول القوي لسيولة النقدية إلى رفع 25 مادة استهلاكية بمعدل 183% في نفس الفترة أي الخمس سنوات الأخيرة.
ولو نأخذ مثال عن القمح سنجد أن الشراء المستقبلي لهذه المادة يكفي لتمويل كل مواطن أمريكي بكل حاجته من الخبز والمعجنات لمدة سنتين مقبلتين. لقد أصبحت صناديق الاستثمار هي القوة الحقيقية التي تتحكم في سوق المواد الاستهلاكية دون ان تكون هي في حاجة حقيقية لاستهلاك هذه المواد التي تقوم بشرائها وبيعها في المستقبل حتى قبل ان تظهر.
فتحت البورصة الماليزية على أسعار زيت النخيل الخام فوجدت أن سعر الزيت في جوان 2008 هو 3610 رنجت وفي ماي 2009 هو 3550 رنجت وفي ماي 2010 هو 3530 رنجت. قلت حسبي الله ونعم الوكيل!
نشر في جريدة المحرر