الاقتصاد

الدولار صاعد، الدولار نازل: من الرابح ومن الخاسر؟

بقلم: رياض حاوي
لو قام شخص بشراء 100 يورو سنة 2001 لقام بشرائها بما يعادل 84 دولار أمريكي ولو افترضنا انه احتفظ بالمئة يورو حتى هذه الأيام ثم قام ببيعها لتحصل على 158 دولار. أي ما يقارب 100% ربح على الدولارات التي دفعها في البداية.
هذا السقوط الحر للدولار قابله ارتفاع كبير للعملات الأخرى خاصة الأوروبية وعلى رأسها اليورو والجنيه الاسترليني والفرنك السويسري. وأمام كل تراجع لعملة الدولار تسمع تذمرا في آسيا وسخطا على السياسة المالية الأمريكية لأن ذلك يؤدي “نظريا” إلى ارتفاع تسعير البضائع الأسيوية.
لنأخذ مثالا مباشرا:

يبلغ سعر خام زيت النخيل الماليزي 4200 رنجت ماليزي للطن الواحد

كم يبلغ سعر هذه المادة الحيوية في السوق الدولي؟
دعنا نفترض أن سعر الخام بالعملة الماليزية لم يتغير، ولننظر لسعره دوليا في ثلاث محطات:
المحطة الأولى قبل الأزمة المالية التي عصفت بجنوب شرق آسيا في 1997، حيث كان سعر الدولار يساوي 2.4 رنجت، وبالتالي يصبح سعر خامات زيت النخيل 4200/2.4 = 1750 دولار للطن الواحد.
كانت ماليزيا من الدول السباقة والرائدة في اتخاذ إجراءات الحماية المالية، وقامت بخلق حدود مالية بينها وبين عالم الدولار، فاتخذ مهاتير قراره الشهير بتثبيت سعر صرف الدولار لمنع المضاربين من التلاعب بعملsfl34ة البلاد، فكان سعر الصرف هو 1دولار يقابله 3.8 رنجت ماليزي، وتم الحفاظ على هذه النسبة طيلة 8 سنوات.
وأمام سعر الصرف الجديد يصبح سعر خام النخيل 4200/3.8 =1105 دولار للطن الواحد.
بعد عدة سنوات قامت ماليزيا بخطوة تحرير العملة ولكن ضمن حدود معينة أي خلق مجال لا ترتفع العملة أكثر منه ولا تنزل أقل منه، وهي طريقة جديدة بين التحرير الكلي للعملة والتثبيت الجامد لها.
وهكذا أصبح سعر خامات الزيت بالنظر لسعر صرف الدولار لهذه الأيام 4200/3.2 = 1312.5 دولار للطن الواحد.
سنلاحظ هنا أن سعر خامات الزيت بالتسعير المحلي لم يتغير(بحسب فرضيتنا)، بينما السعر الدولي يتغير بشكل مستمر بناء على سعر صرف الدولار!
وهنا تكمن اللعبة الكبرى التي حاولت الولايات المتحدة الأمريكية أن تلعبها!
المثال المذكور أعلاه يعطينا فكرة واضحة عن أحد أهم الخلفيات الكامنة وراء قرار الحكومة الأمريكية بتعويم عملة الدولار، والمثال نفسه يعطينا فكرة عن أسباب الفشل الذريع وراء هذا القرار غير المتوازن!!
الزائر لتاج محل، قصر الحب والوفاء، في الهند سيلاحظ تغير مزاج مرشدي السواح الذين أصبحوا أكثر حماسا لأخذ مستحقاتهم أو “اكرامياتهم” باليورو او غيرها من العملات الصاعدة، لم تعد الورقة الخضراء محل جاذبية أو مركز اهتمام، لأنها ورقة القوى الآفلة مثل عملة الاتحاد السوفياتي المنهار.
لكن نظرائهم من العاملين في قطاع تكنولوجيا المعلومات في مدينة بانغلور يشعرون بالأسى لما ينهار الدولار لأن سوقهم الأكبر هو الولايات المتحدة الأمريكية.
الدولار العائم هو نتيجة مباشرة لعاملين أساسيين:
الأول قطع نسبة الفائدة بشكل مستمر من طرف البنك المركزي الأمريكي، وثانيا لأن الولايات المتحدة لم تعد تصدر سوى بضاعة واحدة هي ورقة “الدولار” الخضراء.. وبحسب قانون العرض والطلب كلما زادت السلعة (الدولار الورقي أو الالكتروني) عن الحاجة قل الطلب وبالتالي تنزل القيمة.
في البداية كانت اللعبة ناجحة، ولا اعتقد يوجد من يختلف على أن هناك نجاح أكثر من مبادلة “الورق الملون” الذي يسمى “الدولار” والحصول على مواد منتجة كاملة التصنيع تضم عرق مئات العمال، وأطنان من الخامات، وملايين من البراميل النفطية وعشرات العقول الحكيمة التي ساهمت في تصنيعها!!
هل هناك نجاح أكثر من هذا النجاح!! وهل هناك قوة أكثر من هذه القوة!! وهل هناك سحر للعيون أكثر من هذا السحر!
الولايات المتحدة الأمريكية وصلت إلى مرحلة من التفوق والقوة أن حولت “الورقة” الخضراء إلى سلعة، ثم أضافت للورقة الخضراء العملة الالكترونية التي لا يراها ولا يلمسها أحد، وحولتها إلى سلعة تبادلها بأي سلعة أخرى حقيقية سواء كانت سيارات أو مواد بناء أو مواد نفطية أو مواد غذائية!
ولذلك كلما واجهت مشكلة مالية زادت في طباعة أوراق الدولار، وتقوم “بتصديرها” لتحصل على ما تريد وتشتهي!
هكذا بكل بساطة!
لكن المشكلة الأساسية ليس في أخذ الحاجات من السوق الدولي وتقديم مقابل لها بورقة الدولار، لأن الحاجة الأهم كانت لتنشيط الاقتصاد الأمريكي الراكد والذي لم يعد قادرا على المنافسة مع القوى الصاعدة! فلم يعد من الممكن ايجاد أي منتج أمريكي في أي سوق خارج الولايات المتحدة الامريكية، باستثناء أفلام هوليود، بل وصل الأمر إلى أن أصبحت المنتجات العالمية قادرة على غزو السوق الأمريكي إلى درجة أن أكثر من 80% من البضائع التي تعرضها محلات وول مارت الأمريكية على رفوفها مستوردة!
هنا أيضا اعتبر dfsdfsdf34تعويم الدولار هو فرصة مناسبة للمساهمة في رفع أسعار المنتجات والمصنوعات في الدول الأخرى حتى تصل إلى مستوى المنتجات الأمريكية! فـ”المنظر” الأمريكي لهذا الاقتصاد الورقي يأمل بأن يؤدي كل سقوط في عملة الدولار إلى ارتفاع في أسعار المواد المصنعة في الدول الأخرى حتى تصل إلى مستوى الأسعار الأمريكية، وهكذا يمكن إيجاد مكان للسلع الأمريكية أمام السلع المنتجة في الصين والهند وماليزيا وكوريا واليابان!
لقد لاحظنا هذه الفرضية التي تمسك بها “المنظر” الأمريكي تتحقق في المثال الذي ضربناه أعلاه، بحيث أن أي نزول لسعر الدولار أمام الرنجت الماليزي يؤدي تلقائيا إلى زيادة في سعر البضاعة في السوق الدولي!
هذه الفرضية بدأت تكسب بعض المصداقية عندما تحسنت مؤشرات التصدير لدى بعض الشركات الأمريكية لكن النتيجة كانت هزيلة وليست بحسب التوقعات.. فالدول المعنية بكسر أسعار منتجاتها تلقت الدرس المناسب وفي الوقت المناسب أثناء الأزمة المالية في 1997، واتخذت الإجراءات الكافية لغلق حدودها المالية وحمايتها من المضاربة المباشرة وغير المباشرة..
وهذا ما يفسر لنا الدعوات المستمرة للصين خاصة بإطلاق سراح عملتها.. لأن الصين هي قاطرة الاقتصاد العالمي في هذه المرحلة لكن الصين تمتنع عن فعل ذلك!!
الآن إلى أين انتهت اللعبة، وماذا كان نتيجة هذا “النجاح” الخارق؟!
لنستمع لرجل الاقتصاد بيتر شيف Peter Schiff الذي توقع منذ سنوات سقوط الدولار، وانهيار الاقتصاد الأمريكي، وهو يقول:”لدينا اقتصاد مريض جدا، لقد تم تحويله إلى اقتصاد ورقي، الناس كانوا يعتقدون بأننا نملك الاقتصاد الأقوى في العالم، والآن اكتشفوا الحقيقة”..
وهذا هو الفرق بين من يدخر ويستثمر ويصنع ويصدر وبين من ينتج “الورق” ليحصل على حاجاته!!
وماذا عن نسبة النمو التي يقال أنها دائما موجبة؟
بيتر شيف لا يتردد في القول بأن:”الإحصاءات التي تقدمها الحكومة الأمريكية –عن نجاعة الاقتصاد الأمريكي – هي مجرد دعاية”، لأن المنطق السليم يقول بأن الاقتصاد لا يقوم على الاستهلاك والاستيراد، بل على التصنيع والتصدير، فمن أين تأتي نسبة النمو التي يتحدثون عنها في حين أننا نستورد ونستورد فقط، والخلل في الميزان التجاري غير مسبوق في التاريخ!

دعنا نطرح هذا السؤال: كيف سيكون رد الولايات المتحدة الأمريكية لو افترضنا أن بعض الدول الفاعلة مثل اليابان قررت تنويع صادراتها بعملات أخرى إلى جانب الدولار ؟
الرد سيكون: قنبلة نووية على طوكيو!
هذه الفرضية ليس بعيدة عن الواقع. فعندما دعا مهاتير محمد إلى اعتماد الذهب كوسيط بديل وانتقالي لعملة الدولار اعتبرت بعض الأوساط الأمريكية ذلك بمثابة إعلان حرب.
وبعض التقارير تقول بأن صدام حسين سرع من عملية غزوه عندما قرر تغيير احتياطاته النقدية لدى الأمم المتحدة من الدولار إلى اليورو. كان قرارا مجنونا بحسب بعض المحللين الذين يطبلون للموقف الأمريكي وحجتهم ان صدام حسين فقد في لحظة ملايين الدولارات نتيجة فرق العملة، لكن تلك الملايين استرجعها وحقق عليها أرباح بعد أن أصبح الدولار أقل من اليورو وهذا بفترة وجيزة قبل غزوه.

لقد دخلنا للمنطقة الحساسة التي تجعل كثير من دول جنوب شرق آسيا تقوم “بحماية” الدولار ودعمه حتى لا ينهار وذلك بالحفاظ عليه كوسيط للتبادل التجاري. لأن الكل يعلم أن التخلي عن الدولار كوسيط هو انهيار كامل لهذه العملة وحينئذ يصبح من غير الممكن للولايات المتحدة طباعة مزيد من الدولار لأخذ حاجياتها من السوق الدولي ستصبح مضطرة لاقتناء العملات الأخرى التي ستصبح تدريجيا بديلا لعملة الدولار! وبما أنها لا تملك اقتصادا تصديريا، باستثناء الصناعة الحربية وفي نطاق ضيق، في هذه اللحظة التاريخية يصبح الوضع خطرا جدا عليها!
أي نزعة مضادة لها قد تؤدي إلى خراب روما!
معظم الدول التي تهدد بمقاطعة “الورقة” الخضراء لا تفعل ذلك في الحقيقة، لان المقاطعة الفعلية تنقل المسألة من الخيارات الاقتصادية إلى مستويات إعلان الحرب، فأمريكا لا تملك من اقتصاد سوى “تصدير” “الورقة” الخضراء، وتهديد هذه الورقة هو تهديد لـ”لاقتصاد” الأمريكي برمته!
لكن الدول التي تفقه معطيات التاريخ لم تترك عملتها في ترنح مفتوح، فالصين قاطرة الاقتصاد العالمي قامت بتثبيت سعر الصرف وكذلك معظم الدول الأخرى التي لا تريد أن تدخل اللعبة الأمريكية وتستجيب لعمليات تخفيض الفائدة حتى ينخفض مستوى تداول الدولار ومن ثم يرتفع سعر الصادرات بشكل كبير جدا!
لقد لاحظنا في بداية المقالة أن الدولار انهار أمام اليورو تقريبا بنسبة 50% وبما أن العملات الدولية مرتبطة نسبة وتناسبا فإنه من المفروض تزيد العملات الأخرى ب'oimنسبة مماثلة أو مقاربة بحسب قوة الاقتصاد. لكن الملاحظ أن العملات الأسيوية تتحرك ببطئ شديد وضمن هامش ضيق بين الصعود والنزول وذلك للحفاظ على مستويات التصدير وحتى لا تتأثر بالانخفاض الكلي في عملة الدولار.
لتصحيح الخلل في الميزان التجاري كانت أمريكا دائما تلجأ لتخفيض او زيادة قيمة العملة فتربح بعض النسب الرقمية لصالحها، لكن العملة الصينية، اليوان، ومعظم العملات الأسيوية لا تتحرك بشكل حر وهنا بدأت أمريكا تحصد وحدها نتيجة التخفيض غير العادي لقيمة الدولار، كأي دولة متخلفة تستجيب لشروط صندوق النقد الدولي!
النمساوي ريتشارد دنكان قدم صورة شاملة لوضع ازمة الدولار في كتبه القنبلة “أزمة الدولار” نلخصها في النقاط التالية:
تحول الدولار إلى “سلعة” أصبح يصدر كمقابل للسلع التي تدخل أمريكا.
كل شركة تبيع سلعة للولايات المتحدة الأمريكية أو دولة أخرى تستلم دولارات، ولكن في الحقيقة تستلم في حسابها مقابل للدولار بالعملة المحلية، (وكأنها تبيع الدولار للبنك المركزي المحلي الذي بدورها يسلمها مقابل له بالعملة المحلية)
قامت اليابان ثم النمور الأسيوية واخيرا الصين بتكديس الدولار كاحتياطات نقدية، ولم يكن أمامهم سوى اعادة استثمار الدولارات في السوق المالي الأمريكي، وانقلبت الأمور فأصبح البائع يمول حاجات المشتري.
ديون امريكا بلغت 35% من اجمالي الناتج المحلي (حجم الاقتصاد الأمريكي) سنة 2004 و40% سنة 2005 و45% في 2006 بقيمة اجمالية تعدت ثلاثة ترليون أي ما يعادل 10% من اجمالي الناتج العالمي
بفعل عملية اعادة الاستثمار داخل سوق السيولة الأمريكي يملك الرأس مال الأجنبي 40% من ديون أمريكا الحكومية القابلة للتداول، و26% من سندات الشركات و13% من سيولة الشركات.
حسب احصائيات صندوق النقد الدولي بلغت ديون أمريكا لدى الصين سنة 2001 ما يعادل 83 مليار دولار وهي ذاتها قيمة احتياطات أمريكا من الذهب. بمعنى أن كل احتياطي أمريكا من الذهب يسدد مبيعات سنة واحدة فقط ومع دولة واحدة هي الصين.
وإذا أضفنا لهذه الصورة القاتمة للاقتصاد الامريكي الذي تقوده ورقة الدولار صورة الوضع السياسي للقوة “العظمى” خاصة بعد دخولها في حروب أدت إلى ضخ بلايين الدولارات لتمويل اقتصاد الحرب كان يمكن أن تضخ في خلق فرص العمل وتطوير الصناعات ومنافسة العماليق الكبار الجدد!!
الرهان الأمريكي الآن هو أن يبقى الناس مقتنعيين أن “الدولار” عملة وليس ورقة خضراء! لكن أصدقاءنا في الهند، العمال البسطاء في تاج محل، قصر الحب والوفاء، اقتنعوا بأن الدولار ليس الا “ورقة”.. فهل سيقتنع باقي الاقتصاديين بهذه الحقيقة؟!
هكذا إذن انقلب السحر على الساحر!
نشر في أسبوعية المحرر