في رحاب مدينة جدة الاقتصادية
بقلم: رياض حاوي
فاجأنا أبو أحمد عند استقبالنا في مطار جدة بتجهيز العدة الكاملة حتى نمضي مباشرة لرحاب البيت العتيق، سألني بكل دماثة وأخوة ينفرد بها السعودين هل أنت متعب من السفر وتريد ان ترتاح أو تذهب مباشرة لمكة؟؟ كلماته العذبة نفذت في كالطاقة الربانية التي مسحت وعثاء السفر وانستني رحلة 23 ساعة بين الطيران والانتظار وكأنني نشطت من عقال فقلت له لا بل مكة!!
كان يشعر بسعادة عميقة وهو يخدمنا وكنت أرمقه وهو يتهادى فرحا ووجهه المضيء المتلألؤ يشيء بحالة من الانتشاء والامتلاء بهذه الخدمة وما هي إلا لحظات حتى خرجنا من عالمنا ودخلنا عالم التجرد والاحرام وهبت علينا ريح مكة..
وصلنا البيت الحرام مع صلاة المغرب.. كان المنظر مهيبا بقدسية المكان وبوفود المعتمرين القادمين من كل حدب وصوب فقد بدأ موسم العمرة.. انتهينا من النسك وقفينا راجعين إلى جدة.. كان أبو أحمد مرة أخرى سعيدا وهو يطوف في مكة ويدلنا على معالمها ويشرح لنا بحماسة منقطعة النظير معالم التوسعة الجديدة للحرمين وحدودها.. وأثناء الحديث انتبهنا له وهو يحادث أسرته ويطمئن على ابنته الصغيرة وتكون تلك مفاجأتنا الثانية فقد ترك صغيرته وقد ارتفعت لديها الحمى بشكل كبير جدا.. ازددنا اكبارا للرجل وصنع أمامنا بحلو معشرته ودماثة أخلاقه وحسن صنيعه ونكرانه لذاته صفحة جديدة تضم لصفحات السلف الصالح حتى وكأن ابن المبارك أو الجنيد بين أظهرنا.
ولا غرو أن يكون من طباع أهل بلاد الحرمين الراسخة فيهم هي خدمة الاسلام وأهله، إنها الأرض التي يشعر فيها المرء بأنه يستظل بدعوة سيدنا ابراهيم التي يلمسها القادم إلى هذه الديار في كل ركن من الأركان..
كان علي أن أتجول في الأسواق حتى أجمع بعض المعطيات عن الأسعار والعلامات التجارية الموجودة حتى أقارنها بالمنتوجات التي نزمع تسويقها في هذا البلد من ماليزيا، والحق أنه مما أثلج صدري وقر عيني وأنا أتجول في المركز التجاري “الأندلس” العملاق هو وفرة المنتوجات المصنوعة في السعودية ومن انتاج محلي وبسواعد وطنية. إنها علامة من علامات العافية وصحة الطريق وهي ثمرة من ثمار الجهود المضنية التي بذلت طوال السنين الماضية لبناء بنية اقتصادية تحتية بحدها الأدنى.
انها سعادة كبيرة جدا أن يجد المرء بلدا من بلاد المسلمين قد بدأ يذوق ثمار جهوده وتضحياته فليس هناك أمرا مستحيلا أمام الارادة والعزيمة والاخلاص في خوض غمار التجربة، وقد تعلمنا في ماليزيا أن النهضة خطوة أولى إذا عرفت كيف تخطوها فإن طريق الألف ميل كما يقول المثل الصيني هو في متناولك وليس الجبل إلا من الحصى.
لم يعد الطقس الحار جدا ولا الطبيعة القاسية التي ترهق أشد الناس صلابة عائقا أمام هذه النهضة الاقتصادية والرغبة الجامحة التي تلمسها في كل من يحدثك هنا بأن يمتلكوا المفاتيح، مفاتيح الاكتفاء الذاتي..
وأكاد أجزم أن أكثر من 50% من رجال الاعمال الذين التقيت بهم وتحادثت معهم في الفرص التي يوفرها السوق السعودي مهتمين إلى حد يثير الاعجاب والاعتزاز بأن يمتلكوا المصانع وليس المنتجات أو البضائع!
ومما يعزز هذه الحالة الصحية هي ما سمعته بأن السياسة الاقتصادية تقوم على انشاء المناطق الصناعية وهناك ارادة عليا لأخذ الأمر بجدية قصوى وتم تجنيد كل الامكانيات المالية والكفاءات الوطنية لتحقيق الهدف المنشود. وبعضهم يعزو فكرة المدن الصناعية للاستشارات التي قدمها مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا السابق، الذي قربه الملك عبد الله منه ونصبه مستشارا خاصا في قضايا التسيير والخطط الاقتصادية. وهي في الحقيقة صورة أخرى من صور التكامل والتجانس بين دول العالم الاسلامي التي نأمل أن ترقى إلى صور أخرى من التكامل الاقتصادي والعملة الموحدة والتسهيلات الجمركية وتسهيلات تنقل البضائع والأشخاص مما يعزز الوحدة الشعورية والتكامل النفسي فضلا عن العوائد الاقتصادية المجزية..
هذا المناخ العام هو الذي يعزز حرص كثير من رجال الأعمال السعوديين على خوض غمار التجربة من أساسها وليس من فرعها يريدون من يدلهم على أماكن الآلات والتجهيزات ومهندسي المصانع ومركبي خطوط الانتاج… كل ذلك في قالب من العبارات الجميلة التي تنساب على ألسنتهم وهي تذكرك بالله والتوكل عليه والطمع في عونه والرغبة في رضاه وطاعته وطاعة رسوله..
عبارات تتطاير بكل عفوية من ألسنة الذين يحدثونني وتذكرني بعجمة لساني المكتسبة من كثرة استعمال الانجليزية والذي اعتاد على لغة جافة خالية من الروح لغة بعيدة عن الله لغة لا عبق لها من نسائم الوجدان ونور الايمان.. تمنيت بداخلي لو أبقى عاما كاملا وأنا فقط استمع لهذه العبارات التي افتقدتها منذ زمن بعيد:”حياك الله أخي”، “نحن متوكلين على الله”، “الله هو الرزاق ونحن عبيده”، “بمشيئة الله وعونه”، “أبشر أخي”… ارتجف جسمي وأنا أسمع للسواق الأثيوبي وهو يطلب مني بالحاح ويقول “ادع لي أخي اذا زرت بيت الله الحرام ادع لي”…
عبارات غابت عن قموسي اللساني وافتقدتها أذني!!
لقد أعجبت بالجيل الجديد من الشباب الذين بدؤا يستلمون دفة التسيير في الشركات العائلية، ويبدو أن الأباء المؤسسين بذلوا جهودا كبيرة في الانفاق على تعليم أبنائهم واغداق الأموال الطائلة لتحقيق الأفق العلمي اللازم حتى ينتقل التسيير من كاريزما الأباء المؤسسين وصرامتهم إلى نظام التسيير العصري القائم على حسن التنظيم وأهمية الكفاءة التقنية في اضافة نوعية كبيرة لرصيد الشركات العائلية سواء الكبرى أو الصغرى.
إن النظام الاقتصادي هنا يدور بشكل مثير للتأمل والتفكر حول العائلة، فالعائلة هي الأساس والمحور، ولذلك نسبة كبيرة جدا من الشركات تحمل أسماء الأباء المؤسسين أو أسماء العائلة في حالة ما كان المؤسسون أكثر من فرد ينتمون لنفس العائلة. “الشاطري” “العمودي” “الراجحي” “الهزاع” “العصيمي” “الفردان” “الشمراني” “مجموعة سعد” “العسيس” “غسان النمر” “بدر حسن الحسني” “عبد الله حمود الشويعر” “يوسف بن أحمد كانو” “سعيد رداد الزهراني” وحتى أسماء المحلات التجارية في كل زاوية وركن إلا وتجد اسم العائلة يعلو عاليا وتندمج فيه كل العائلة لتخدمه وتعليه وترفع مكانته مزيدا إلى العلا.
وهذه العائلات استثمرت بشكل جيد جدا في تعليم أبنائها أحسن تعليم وفي ارقى الجامعات ويبدو أن ثمار ذلك بدأت تظهر في لغة الجيل الجديد وقدراته على التعاطي مع الأرقام والمعلومات وتدفق التقنية وتطوير المؤسسات التي ترعرعوا فيها ونشؤوا في ظلها وهم لا ينظرون لها كمشاريع استثمارية بل كجزء من تاريخ العائلة ودورهم أن يقدموا الاضافة المناسبة لها لان الحفاظ عليها هو الحفاظ على العائلة وعلى اسمها وشرفها.
هكذا تجد اندماج بين الذات ووعي الذات وبين النشاط الاقتصادي الذي لا يصبح مصدرا للرزق ومدخلا للرخاء فقط إنه أكثر من ذلك إنه الامتياز المعنوي والمكافئة الرمزية لخدمة اسم العائلة وهي حالة موجودة في الصين واليابان وكوريا ولكنها تفتت وانكسرت بفعل طغيان النموذج الغربي واندماجهم فيه بدون تحفظ.
ومحاورة الجيل الجديد تثير الاعجاب وتدل على تقدم مهم جدا في الكفاءات التي تنتقل لها دفة التسيير، خاصة ان عملية الانتقال سلسة جدا لأنها بين الآباء والأبناء ولا يحدث فيها أي نوع من الشرخ بسبب تغير فجائي في مجلس الإدارة. وهذا ما يجعل مرافقة الأبناء للأباء في اجتماعاتهم ولقاءاتهم هي بمثابة التدريب اليومي والمستمر والمتواصل على فنون التسيير والتخطيط وبناء العلاقات العامة في الميدان وليس في الخيال. ولا يخفى على المرء التقاط حالة من الانتشاء والفرح التي تقفز إلى عيني المحاور الأب عندما يقول:”طيب أخي سيتصل بك ابني حتى نرتب لقاء آخر” ثم يلتفت لابنه:”وهو مغمور بالسعادة والابن واقف يتلقى التعليمات بكل أدب واحترام وتوقير للوالد.. ياله من جمال..
تزامن وجودي في السعودية بالاحتفال باليوبيل الذهبي الخامس والسبعين لشركة أرامكو السعودية الرائدة في مجال النفط، وكان محور الحياة الاقتصادية يدور حول الاحتفالية الضخمة لقاطرة الاقتصاد السعودي وهي احتفالية شارك فيها زعماء الخليج، وتجندت الصحافة المحلية للاحتفاء بتاريخ توقيع اتفاقية الامتياز في عام 1933 حين اعطى الملك عبد العزيز المؤسس أوامره لوزير ماليته الشيخ عبد الله السليمان بالتوقيع على بنود الاتفاقية وكان البئر 7 أو بئر الخير كما سماه عبد العزيز بمثابة الخطوة الأولى في رحلة الاستكشافات النفطية التي غيرت وجه السعودية من دولة في الهامش إلى دولة في المركز بفعل ثقلها ومكانتها العالمية في التحكم في روح الاقتصاد المعاصر: الذهب الأسود.