أزمة الاقتصاد العالمي: كيف ولماذا وإلى أين؟
بقلم: رياض حاوي
تخفي شاشات البورصات المالية في العواصم الكبرى التي تعرضها القنوات الفضائية يوميا نوعا من الابهار بهذا الوافد الجديد إلى عالمنا المثقل بالهموم والمشكلات التي لا تبدا احداها حتى تلحقها اختها. لكن هذا الابهار كثيرا ما يجد قوته في التعقيد الذي يسهل مهمة المدلسين بينما الجوهر بسيط إذا زالت عنه الرتوش والمساحيق ومواد التجميل التي تزيف الحقيقة.
وهكذا بالنسبة للأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبنوك والمؤسسات الايئتمانية والشركات الصناعية ترتد في جوهرها إلى الحقائق البسيطة والوقائع اليومية التي يعرفها كل انسان.
دعنا نبتعد عن المساحيق وشاشات التلفزيون ونفكك مدخلات ومخرجات الأزمة الاقتصادية إلى عواملها البسيطة وأسبابها المباشرة:
- بدأت البنوك الأمريكية تقدم قروضا عقارية مجزية وبنسبة فائدة متدنية جدا بسبب تباطئ الدورة الاقتصادية في مجالات التصنيع والخدمات نتيجة الدخول في حرب العراق واستنفاد جزء كبير من المدخرات في مجهود الحرب، الأمر الذي أوقع ملايين المواطنين الأمريكيين في فخ القروض السهلة، وكانت هذه القروض لا تملك الحد الادنى من التغطية سواء قدرة المستفيد على الوفاء بالالتزاماته ولا ضمانات من أصول أو ما شابه تكفي لتغطية أصل الدين قبل خدماته.
- زبائن القروض متدنية الفائدة لم يكونوا لينزعجوا من خدمة الدين لأنهم كانوا مقتنعين، بحسب الدعاية الاعلامية الكبرى، بأن سوق العقار سيتطور ويتضاعف حجمه وتزداد قيمته يوما بعد يوم.
- البيت الذي يقتنيه اليوم يصبح سعره غدا أغلى من ثم يستطيع بيع بيته بسعر أفضل.

- بمجرد ما يستلم العميل القرض يسجل البنك في حساباته العملية كلها كربح “ورقي” (paper profit) صافي مؤجل لسنوات لاحقة، لان العمليل “نظريا” ملزم بدفع مستحقات فائدة الدين زائد أصل الدين.
- قامت البنوك باقراض الأرباح “المؤجلة-الورقية” بعد ان أعطت لها تسميات جديدة لمستثمرين جدد كتمويلات لمشاريع أخرى خاصة للمتاجرين في البورصات وهذه القروض (الجديدة) تترتب عليها نسبة فائدة جديدة تحقق “أرباحا ورقية” جديدة تسجل في الدفاتر كقيم مالية جديدة “مستقبلية” تصبح بدورها قابلة للاستثمار مرة أخرى… وهكذا دواليك..
- بهذه العملية “الكمبيوترية” المؤسسة نظريا على القرض المالي الأول للمواطن البسيط الذي اقترضه لشراء سكن، والذي يضمن أقساطه عادة من راتبه الشهري، يكون البنك قد رفع العبئ عن ظهره، فأصل القرض يضمنه العميل، وربج القرض يقوم أصحاب المحافظ الاستثمارية العملاقة بضمان تنشيطه، وكل ذلك مضمون بقانون الفائدة “الربوية” المقدس..
- هذه الأموال التي تأتي من الريح بدأت تدور في العالم كقيم مالية “كمبوترية” سواء في المحافظ الاستثمارية أو كتموين للتبادلات التجارية المختلفة.
- الذي حدث أن العقارات لم يرتفع سعرها بنسبة مغرية، والوضع الاقتصادي في امريكا جراء مخلفات الحرب على العراق ودوامة الحرب على الارهاب جعل الحالة الاقتصادية لعامة المواطنين متدهورة الأمر الذي أدى إلى فشل عدد كبير من مقتني العقارات في الوفاء بأقساطهم الشهرية وبالتالي يتوقفون عن سداد الأقساط، بسبب عجزهم المادي سواء بفقدان العمل أو عدم حاجتهم للبيت الجديد أو ضعف رواتبهم عن تحمل الأعباء خاصة إذا علمنا ان نسبة الفائدة متغيرة.
- وهنا ترتد كرة النار من جديد.
- الفرد الذي يفشل في الوفاء بأقساطه يفقد سكنه، وهذا أقصى ما يحصل له، لأن قروض السكن غير معززة بضمانات أخرى، كل ما في الملف الخاص بالقرض هو كشف الراتب.
لكن ما الذي يحصل للبنك؟؟
من هنا بدأت الأزمة ومن هنا تفاقمت حتى وصلت إلى ما وصلت إليه..!
- البنك صاحب القرض تنقلب كشوفه من أرباح إلى خسائر لأن أقصى ما سيحصل عليه هو السكن في حد ذاته، وسيزداد الامر سوءا بانخفاض قيمة السكنات فعليا عن قيمتها أثناء ابرام عقد القرض للعميل، وهنا تصبح مشكلة البنك مركبة، فقد فقد أصل القرض وفائدته الذي بنى عليه كتلة الأرباح الورقية بتوقف العميل عن سداد الأقساط الشهرية، وبعد استيلائه على السكن وحتى لو قام ببيعه في سوق القيم الفعلية فإن سعره يصبح اقل بنسبة تجاوزت 50%، وكل ذلك يسجل في الدفاتر كقيم سلبية أي خسائر بتعبير ادق.
- وهذه القيم السلبية (الخسائر) تسمى تحايلا “القروض العاجزة”، وكل الكتلة المالية الجديدة التي تأسست على الأرباح الورقية، تصبح في لحظة لا شيء عندما تتحول الأرباح الورقية إلى قروض عاجزة.. وهنا دخلت البنوك “العملاقة” و”البورصات” العالمية في النفق المظلم…
- الحل الوحيد هو ضخ اموال في البنوك لاعادة التوازن للدفاتر، وهو ما ضل يقوم به برنانكي الأمريكي مدير الخزينة طيلة سنة كاملة، ولكن في النهاية خرجت الأمور عن السيطرة وسقطت أسواق المال، وأسواق الخامات وخاصة خامات النفط التي فقدت أكثر من 65% من قيمتها في بضعة أسابيع.
- ما حدث في سوق العقار حدث مثله في سوق بطاقات الائتمان (الفيزا، والماستر كارد…) فالبنوك
تساهلت في تسليم هذه البطاقات لملايين المواطنين حتى الأشخاص غير القادرين على تحمل الأعباء المترتبة عن الاستهلاك الجنوني الذي تغري به هذه البطاقات، وعندما تصبح الرواتب عاجزة عن سداد الفواتير تصبح هذه البنوك عاجزة عن دفع الفواتير التي يتقدم بها مختلف المطاعم والمحلات التجارية، وبالتالي تضطرد هذه البنوك لاعلان افلاسها “الاضطراري” أو “الاختياري” وهنا أيضا تحول أرباح الدفاتر إلى خسائر بنفس الشكل المفصل في الفقرات الخاصة بازمة العقار التي ضرب أمريكا وأوروبا لاحقا. وبهذا الشكل الفوضوي أفلست كبريات البنوك وشركات التأمين وبيوت الاستثمار.
الحديث هنا لا يتعلق بمواطن أو أثنين بل بملايين المواطنين، ولا يتعلق ببنك أو اثنين بل بمئات البنوك، ولا يتعلق بشركة او شركتين بل بألاف الشركات، لأن الأمر مرتبط بالنظام المالي الدولي الذي حوله بعض الجشعين إلى وسيلة لنهب الشعوب ولكنها في النهاية ارتدت عليهم نتيجة سوء الاستخدام.
فبدلا من القيام بأعمال تجارية تقوم على تبادل المنافع بين الشعوب التي حباها الله سبحانه وتعالى بموارد وامكانيات مختلفة ولكن في جوهرها متكاملة لتعزيز الروح الانسانية تحولت جل النشاطات في العالم الغربي إلى نشاطات خدمية تدور حول النشاط المالي بالدرجة الأولى.
وما نشهده اليوم هو افلاس منظومة وصلت إلى حافتها التاريخية ثم هوت في قاع سحيق.
وجوهر القصة كلها هو الفائدة الربوية التي تؤسس للثروة الوهمية. فالفائدة الربوية تصنع مالا من اللاشي، ولكنه لا شيء مزخرف ومنفوخ يحسبه الغافلون شيئا، وعندما يكتشفون حقيقته يتفاجؤون رغم انه لا مكان للمفاجئة فالأمور واضحة من البداية.
فعندما يتحدث برنانكي عن دعم البنوك بـسبعة مئة مليار دولار، يبقى التساؤل مطروحا من أين تأتي هذه الأموال؟ هل الحكومة الأمريكية لها صناعات تزود بها دولا أخرى وقامت بتحقيق أرباحا وهي تستعمل هذه الأرباح الموضوعة في الاحتياطات!! لا اعتقد ذلك خاصة أن الكل يعلم ان الحكومة الأمريكية تقترض يوميا 1.5 مليار دولار لتغطية نشاطاتها.. انها اموال تأتي من الهواء ومصيرها الهواء!
ولذلك ما نشاهده اليوم هو افلاس للمنظومة الاقتصادية المسماة “الاقتصاد الحر” وما لم يتغير هذا النظام فإن هذه الأزمات ستتكرر باستمرار وستعصف بدول وحضارات!