انعكاسات الأزمة الاقتصادية العالمية على الجزائر!
رياض حاوي
لقد بقي لغز الزعيم الصومالي الذي أوقع هزيمة مدوية بالقوات الأمريكية في 1993 “محمد فرح عيديد” محيرا جدا عندما لم تتمكن القوات الأمريكية من القضاء عليه إلا بعد مضي وقت طويل، وكان السر وراء ذلك الللغز المحير في وقته أن الرجل بكل بساطة رفض استعمال أيا من التقنيات المعاصرة والحديثة، الأمر الذي جنبه آليات الرصد العالمية، وان يكون عرضة للملاحقات الالكترونية وغير الالكترونية، فعاش ببساطته خارج مجال التغطية.
ووضع الجزائر الاقتصادي اليوم يشبه وضع “عيديد” فالأزمة المالية العالمية التي تعصف بالاقتصاديات الكبرى لا يمكنها ان تطال بلدا بعيدا عن آليات الاقتصاد العالمي ولا يزال يعيش خارج مجال التغطية الاقتصادية العالمية، على نمط الاستيراد والاستيراد فقط.
فليس هناك سوق التبادلات المالية التي تتأثر بحركة الداوجونز، وليس هناك بورصة قوية تحسب حساب أسعار مواد الخام والعملة الوطنية المحلية مدعومة من البنك المركزي ولا تخضع لأي تداول وقيمتها بقيت كما هي منذ كان النفط أقل من عشرين دولارا للبرميل وحتى عندما أصبح النفط 147 دولارا، والعجيب أن قيمة العملة تخضع لاعتبار اجتماعي بعيدا كل البعد عن الاعتبارات الفنية والاقتصادية فهي تخضع فقط لحركة المواطنين المهاجرين القادمين من وراء البحار لقضاء عطلتهم السنوية أو المواطنين العازمين على أداء فريضة الحج او مناسك العمرة ولذلك فهي ترتفع وتنخفض بناء على هذا العامل فقط الذي لا علاقة له بدورة الاقتصاد ولا آليات السوق، ومع ذلك فالكتلة النقدية المتداولة في السوق السوداء هامشية لا قيمة لها ولا اعتبار ولا تكفي حتى لتمويل 100 حاوية حليب فما بالك أن تصنع ارتباكا في الاقتصاد كله.

وأزمة العقارات الدولية التي هبت رياحها على الدول العظمى لم تمر من هنا لأنه بكل بساطة ليس هناك عقار يباع ولا عقار يشترى للسكن فما بالك بعقار يباع ويشترى للاستثمار وتحقيق الأرباح كما هو شأن عقارات كاليفورنيا ونيويورك ولندن وباريس وسيوول.
نحن لا زلنا في مرحلة بناء حاجاتنا اليومية وليس هناك عقارات عالمية على ساحل الجزائر وزرالدة وعنابة وبجاية تهافت عليها المستثمرون من الشرق والغرب فلما حلت الازمة المالية تساقطت البنوك عاجزة عن تمويل الاستثمارات والقروض وانسحب المستثمرون يجرون خسائرهم المالية ويعضون أيديهم من الندم والحسرة.
ليس هناك سوق للتصدير ولا صناعات صغيرة أو كبيرة لها رواج في الأسواق الخارجية وتحمل العلامة الجزائرية ستتأثر بانكماش الأسواق التي تصدر لها في اوروبا او أمريكا، وليس هناك منتوجات زراعية جزائرية معروفة في الأسواق العالمية ستتأثر بحالة الكساد الاقتصادي في مختلف بلاد الله الواسعة.
أما نظامنا البنكي فيكفي ان جل المواطنين لا يملكون حسابات بنكية وكتلة الرواتب لا تزال توزع عن طريق خدمات مؤسسات البريد، فمن أينا ستأتينا الأزمة المالية وبنوكنا تستغرق عدة أسابيع كي تقوم بتحويل بضعة مئات من الدولارات وأسابيع اخرى لاستقبال مئات الدولارات؟
اقتصادنا يقوم على العامل الواحد والوحيد يتمحور حوله، يقوم به ويقعد به، وهو الهبة الالاهية “النفط” التي أكرمنا الله بها، ولولاها لمتنا جوعا وتخطفتنا الأمم وتشردنا في أرض الله في سنوات التيه.
فالحديث عن تأثر الجزائر بالأزمة العالمية بتفاصيلها هو حديث الواهمين الذين يعيشون في مدن الخيال أو يعيشون في جزائر أخرى لا يعرفها عامة الجزائريين!
كل ما هنالك أن ميزانية الدولة ستتأثر بتراجع أسعار النفط، وهناك فرق كبير بين تراجع أسعار النفط في الميزانية العمومية والتأثر بالأزمة العالمية في بنية الاقتصاد؟!
فلقد كان العالم ينعم ويرفل في حسنات الاستقرار الاقتصادي في التسعينات من القرن الماضي وكنا نحن نعاني الأمرين بسبب تراجع أسعار النفط إلى أقل من 20 دولارا للبرميل. وكان العالم يتمتع بثورات التكنلوجيا وثورة السيارات والالكترونيات في الثمانينات وكنا نحن على حافة الفقر عندما كان السعر لا يتجاوز 13 دولار للبرميل ثم استقرت الأسعار حول 17 دولار للبرميل كمعدل في الفترة بين 1987/2000.
ونفطنا الرخيص استفادت منه الدول الصناعية الكبرى التي ضافعت ظرائبها على الاستهلاك النهائي من 22 دولار للبرميل إلى أن وصل إلى 68 دولار للبرميل أو ما يعادل 70% من سعر الاستهلاك النهائي في حين لم يبلغ سعر البرميل في الفترة 2000/2003 سوى 25 دولار كمعدل.
مشكلتنا أننا لا نملك بنية اقتصادية حتى نتعلم من الأزمات ونرفل في ثمار العز الاقتصادي أيام التطور والازدهار، ولذلك ستظل ازمتنا الحقيقية بسيطة لانها متمحورة حول النفط.