برنارد مادوف واحتيال القرن
الفضيحة أخلاقية قبل أن تكون مالية
رياض حاوي
ليست فضيحة برناد مادوف هي الأولى من نوعها فقد سبقتها فضائح كثيرة بداية من تورط شركتي إنرون وورلدكم ومعهما عدد لا بأس به من الشركات الأمريكية الكبرى في قضايا الفساد المالي والتصريحات الكاذبة والتلاعب بالنتائج المالية والتقارير وتضليل المستثمرين والأسواق المالية التي كان الانسان الغربي ينظر لها على انها أشبه بالهيئات المعصومة التي لا يطرأ عليها الخطأ ولا يصيبها الغش.
ورغم سلسلة الاحتياطات القانونية والتعديلات التي طرأت على اللوائح التنظيمية للحد من هذا التلاعب واتاحة قدرا اعلى من الشفافية حتى عصفت بسوق المال فضيحة شركة بارملات الاطالية ثم كانت آخر فضيحة التي يبدو أنها لن تكون الأخيرة بل ربما هي بداية سلسلة من الفضائح المتتالية مع اعلان مكتب التحقيقات الفدرالي بالولايات المتحدة الامريكية توقيف برنارد مادوف، الذي شغل منصب مدير هيئة ناسداك المالية في وقت سابق، بعد أن أعترف بأنه أنشأ صندوق استثمارات وهمي يحتال فيه على المستثمرين، ومنهم – بالمناسبة -قسم كبير من رجال الأعمال العرب، حيث يدفع ارباحا للمستثمرين القدماء من أموال المستثمرين الجدد.
وقد هزت هذه الفضيحة أركان كثير من القوى المالية والاقتصادية التي وجدت نفسها في شرك الاحتيال المقنن وعلى رأسها بنك إتش إس بي سي الذي ربما كان أكبر الضحايا حيث يتوقع انه خسر نحو مليار دولار في قضية مادوف. وبلغت خسائر بنك سكوتلاندا 595 مليون دولار وتجاوزت خسائر ثلاثة بنوك اوروبية 3.8 مليار دولار وهي هي ستاندرد الإسباني وباريبا الفرنسي ورايتشموت السويسري وخسر أكبر بنك في ايطاليا يوني كريديت إس بي أي أنه خسر 75 مليون يورو، وخسرت شركة ناتكسيس الفرنسية 605 مليون دولار، وظهرت قائمة تحتوي على عشرات المشاهير في عالم الفن والسياسة كلها تطالب بمستحقاتها من تركة النصاب الكبير.
بسقوط هذا النصاب الكبير تهاوت معه عدة جمعيات “خيرية” معضمها إن لم يكن كلها ينشط لحساب الدوائر الصهيونية، طبعا لا نحتاج هنا للقول أن برني هو نفسه يهودي، لكن أن تكون جمعيات ومنظمات خيرية ترتبط باعمال مشبوهة يديرها رجال المافيا هنا يرتد السحر على الساحر، فقد ذكرت صحيفة لوس أنجيليس تايمز أن ” قائمة المنظمات والجمعيات الخيرية اليهودية التي تضررت من عملية الاحتيال الاستثمارى المزعومة لمجموعة مادوف تضمنت أسماء موقرة تعرضت لتكاليف مادية ومعنوية وهي : منظمة خدمة العائلة اليهودية في لوس أنجيليس وجامعة يشيفا في نيويورك ومنظمة حداسه النسائية ومقرها مانهاتن”. وأصدرت مؤسسة «جيت» بيانا توضح فيه ان مؤسسيها، جان وكينيث ليفي ـ تشرش، كلفا برنارد مادوف ادارة رؤوس اموالهما وان المال تبخر.. مع سقوطه. وأوضحت وكالة الصحافة الفرنسية ان عملية الاحتيال التي قادها مادوف اطاحت بعدة منظمات خيرية شكلها كبار المحسنين اليهود ومعها الرجال والنساء الذين كانوا يعتمدون على سخائها للاستمرار.
وعلى صعيد آخر تحدثت الصحف العالمية عن اختفاء السمسارة اليهودية من أصل نمساوي سونجا كوهن Sonja Kohn ،وهي التي كانت تأخذ عمولة عن كل زبون تقدمه إلى برنارد.

هذه الفاجعة المالية لم تنتهي فصولها بعد حتى خرج الرئيس الامريكي الجديد غاضبا معلنا على رؤوس الأشهاد من أن جزء من مساعدات الحكومة الأمريكية التي قدمتها لانقاذ عدد كبير من البنوك التي أفلست قد ذهبت علاوات ورواتب بلغت 18.4 مليار دولار دفعها مدراء البنوك والمؤسسات المالية لأنفسهم الأمر الذي يبعث على الخزي على حد وصف الرئيس الجديد. وعلينا أن نتذكر هنا أن الحكومة الأمريكية حاولت انقاذ كثيرا من البنوك وشركات التأمين ومؤسسات الاقراض مثل بنك بير شتيرنز Bear Stearns، وبنك ميريل لينتش Merrill Lynch، ومجموعة التأمين الدولية الأمريكية American International Group، وفاني ماي Fannie Mae وفريدي ماك Freddie Mac للقروض السكنية، وبنك سيتي جروب Citigroup.
هذا التلاعب يحدث اولا بسبب ترسيخ مفهوم قاصر ومشوه يقوم على قاعدة فاسدة تجعل من الكتلة المالية تولد كتلة مالية جديدة عبر عملية التدوير ويحدث ثانيا بمساعدة رافعة الربا التي تحول الدولار دولارين والدرهم درهمين دون وسيط من الجهد أو نصب اقتصادي.
صحيح أن عمليات التدليس والغش والتلاعب بالأرقام وتزويرها أصبحت تتم في مستويات عالية جدا وفي مراكز يفترض انها هي نفسها جهات رقابية تسهر على سلامة سير النشاط الاقتصادي واحترام القوانين وتطبيقها بصورة دقيقة وصارمة حتى تضمن سلامة الدورة المالية ونظافة السوق، وصحيح أيضا أن كثيرا من الجهات التشريعية بما فيها البرلمانات أصبحت تخضع لنفوذ القوى المالية التي تطوع التشريعات لأغراض لحظية واهداف ربحية عارضة تخدم فئات محدودة ومصالح ضيقة، وصحيح أيضا أن الرقابة القضائية لم تعد قادرة على لعب دورها المنوط بها بسبب تعقد العمليات سواء من الناحية التقنية أو من حيث الممارسة العملية التي تحول دون ضبط المتلبس بجرمه إلا إذا اعترف اعترافا صريحا وصحيحا في كامل قواه الذهنية، ومع ذلك تفشل في تجريمه بسبب غياب النصوص القانونية التجريمية لأنه لا تجريم إلا بنص وهنا يكون النص عادة غائبا لأن عالم الواقع متطور بسرعة مذهلة وبوتيرة غير قابلة للحصر! فتصبح الجريمة قائمة في عالم الواقع غائيبة في عالم القانون والتشريعات!
ولكن الأصح من كل ذلك هو غياب البعد الأخلاقي، وتجريد عالم المال من روحانية الخُلُق، وفصل مجال الاقتصاد عن أبعاده الحقيقية في تحقيق طمئنينة الانسان النفسية وراحة باله وهدوء ضميره قبل تكديس الأطنان من الذهب والفضة والدولارات على حساب الأخلاق؟! فالمال وسيلة تعبدية كما جاء في التوجيه الاسلامي القرآني الذي اوجب فيه حقوقا مدنية واجتماعية حتى لا يتحول إلى غاية في حد ذاته ومطلب.
اللعبة كبيرة، واللاعبون كبار والفضيحة عالمية والقصة لم تنته بعد!