الثقافة

سيد حسين العطاس وثورة المجانين

أعلام الفكر الإسلامي خارج العالم العربي

بقلم: رياض حاوي

إن أداة اللغة مهمة جدا في التواصل ما في ذلك شك. وعلى الرغم من أن اللغة العربية قد احتلت مركز الصدارة في التعبير عن الفكر الإسلامي عبر تاريخه الطويل بحكم أنها لغة كلمة الله الخاتمة، إلا أن هذه المركزية تراجعت منذ صعود العثمانيين وتأسيس الدولة الصفوية حيث تم التخلي عن العربية باعتبارها لغة الدولة، ومرورا بالحقبة الاستعمارية التي أدخلت اللغا

SYED HUSSIEN AL ATTAS - PROF.
SYED HUSSIEN AL ATTAS – PROF.

ت الأوروبية إلى العالم الإسلامي وخصوصا الفرنسية والإنجليزية وإلى حد ما الهولندية.

الفيلسوف حسين العطاس

لقد أصبح العالم الإسلامي يحتاج إلى وسائط لغوية جديدة للتواصل بين أجزائه المختلفة، والتعرف على الحراك الثقافي والفكري وعلى إنتاج مختلف المفكرين الذين تزخر بهم الساحة الفكرية والذين يستجيبون إلى تحديات جديدة ويقدمون قراءات متعددة ويتجلى على أيديهم الخطاب الإسلامي بشكل مختلف.

وللأسف الشديد أن حاجز اللغة قد أصبح عقدة مستحكمة وتحولت بلاد المسلمين إلى كنتونات معزولة بعضها عن بعض بسبب العجز الكبير في التواصل بين المسلمين. ولقد أتيحت لنا مرات عديدة اللقاء مع كتاب ومثقفين وفقهاء من دول مختلفة يكون الوسيط الوحيد للتخاطب المشترك هو اللغة الإنجليزية. وتكون العربية فقط لبعض العبارات البسيطة مثل السلام والتحية والدعاء.

ولعل هذا ما جعل كثير من الناس في عالمنا العربي عندما يتحدثون عن المفكرين لا يحصون إلا أسماء الكتاب الذين يستعملون اللغة العربية كوسيط للبلاغ والتواصل، ولا يملكون أدنى فكرة عن المثقفين الذين يزخر بهم العالم الإسلامي من المحيط إلى المحيط.

إن أسماء مثل عثمان بكر وشندرا مظفر وعدنان أوكتار (الشهير باسم هارون يحي) وفتح الله جولن وسيد حسين نصر وفضل الرحمن وصردار وسيد نقيب العطاس وحسين العطاس ومجتهد شبستري وعبد الكريم سوروش وغيرهم كثير قد لا توحي بشيء للقارئ العربي بما فيهم المثقف الحريص على المتابعة والتطلع إلى الجديد. إن هؤلاء المثقفين يعيشون بعيدين عن كل تواصل مع العالم العربي أولا بسبب العجز الكبير في ترجمة الأعمال من اللغات الإسلامية المختلفة (الماليزية، التركية، الفارسية، الأردية..) إلى العربية وبالعكس ترجمة أعمال المثقفين الذين يكتبون بالعربية إلى هذه اللغات. وثانيا بسبب وجود تفاوت في القضايا المعرفية التي تشد هذه العوالم قد لا تجد لها صدى في العالم الآخر.

كان هذا جزء من النقاش الذي كنت أتبادله مع الأخوين العزيزين الدكتور البشير صوالحي والدكتور بدران بن الحسن ونحن في طريقنا إلى زيارة عالم الاجتماع
والفيلسوف الماليزي سيد حسين العطاس في بيته بأعالي كوالالمبور.

عندما وصلنا إلى بيته استقبلنا ابنه الدكتور فريد العطاس وهو أستاذ بجامعة سنغافورة وواحد من الباحثين الجادين في ميدان العلوم الاجتماعية، والذي يحاول ان يكمل مشوار والده الناقد لمركزية العلوم الاجتماعية باحاءاتها الغربية وثقلها العنصري. قال لنا إن والدي متعب وستجدونه مستلق على الفراش بسبب وعكة صحية وهو يعتذر مسبقا على هذا الاستقبال، لانه لم يعد قادرا على الوقوف.

عندما ولجنا داخل الدار شعرنا للتو أننا دخلنا إلى حضرة الغزالي وابن رشد وابن خلدون، وكأن هؤلاء الفلاسفة الثلاث قد اجتمعوا مرة واحدة في شخصية حسين العطاس، الذي استطاع أن يجمع بين الهم الأكاديمي والفكري والفلسفي كما كان شان الغزالي وابن رشد والهم السياسي العملي والدور الاجتماعي كما كان شأن ابن خلدون. كانت طلعته البهية ووقار الشيب الذي يغطي لحيته يزيد من كثافة هذه الأجواء الفلسفية التي صنعها حوله بديكورات توحي بجمال الاختيار ورهافة الذوق والتحليق في عوالم الفكر والفلسفة، فمكتبته الشخصية تضم ما لا يقل عن 8 ألاف كتاب ويجتمع فيها نوادر القرن العشرين.

ورغم أننا كنا نريد الانصراف بسرعة نظرا للحالة الصحية التي كان عليها لكنه شدنا بترحيبه ودماثته وعبر لنا عن امتنانه الكبير ونحن القادمين من شمال إفريقيا لكي نزوره ونتعرف عليه.

لقاء حسين العطاس بالبشير الإبراهيمي

كانت المفاجأة الأولى لنا عندما بدا يذكر لنا أعلام الحركة الإسلامية في الجزائر ونخص منهم علامة الجزائر وأديبها الإمام محمد البشير الإبراهيمي والشيخ توفيق المدني والشيخ مصالي الحاج رحمهما الله جميعا. وزادت مفاجأتنا عندما قال لنا وهو يعود بذاكرته 60 سنة إلى الوراء لقد زرت الجزائر في مطلع الخمسينات وبقيت مع الشيخ البشير الإبراهيمي أسبوعين كاملين. لقد كادت قلوبنا تتوقف من وقع هذا الخبر الذي نسمعه لأول مرة. فسألته وكأنني أريد تصحيح الخبر، هل التقيت بالشيخ البشير في القاهرة أم في الجزائر؟ رد قائلا، ونحن مندهشين، ذهبت إلى الجزائر قبل استقلال ماليزيا وقبل قيام ثورة الجزائر، فقد كان صدى جمعية العلماء يملأ العالم الإسلامي وكنت مهتما كثيرا بالتعرف على المثقفين والمفكرين الذين يصنعون الوجود الثقافي للعالم الإسلامي.

رغم الظروف الصحية فقد أحسسنا أن الفيلسوف وكأنه نشط من عقال كما يقال، وبدأ يحلق في عوالم الوجود والذات وأسئلة التغيير الحضاري والقضايا التي شدت المثقفين والمفكرين طيلة النصف الثاني من القرن الintelectualماضي. وفجأة توقف عند مالك بن نبي رحمه الله وقال إنني أتأسف كثيرا لأنني لم أتمكن من التعرف على فكر هذا الرجل فأول كتاب لمالك بن نبي قراته كان مترجما إلى اللغة الإنجليزية وقراته في مطلع التسعينات فقط. قلنا له إن حضور المثقفين من مختلف ديار العالم الإسلامي يعتبر حضورا محدودا وذلك بسبب حاجز اللغة، فالناس لا يكادون يعروفون إلا بعض الشخصيات الشعبية والكتابات الشعبية التي تترجم بسهولة ولكن المفكرين ذوي العمق والأصالة فمن الصعب وجود كتبهم بمختلف اللغات الإسلامية.

وعندئذ قفز بنا الحديث عن العلاقة بين المعرفة والفلسفة والثقافة الشعبية والتي سماها (Bazaar culture) أو ثقافة السوق، ثم أشار إلى كتاب الفيلسوف الاسباني جوسيي أورتيغا “ثورة الدهماء” والذي تنبأ فيه بأن الفكر والثقافة بدأت تتسطح لحساب التبسيط والتثقيف السهل الشعبي بعيدا عن اغوار العلم وأعماق الإدراك الفلسفي الكلي.

ثورة المجانيين

نشر حسين العطاس العديد من الكتب والمؤلفات باللغتين الانجليزية والماليزية(1) وكان محور اهتمامه دائما يدور حول مكانة المثقف ودوره في الحياة العامة، وتعد مؤلفاته لبنة من لبنات ما يسمى بنظرية ما بعد الاستعمار (postcolonial theory) إلى جانب ادوار سعيد صاحب الاستشراق وهومي بهابها واحمد عيجاز والتي تعالج بالخصوص كيفية استجابة المثقفين في العالم الثالث إلى التحديات التي اعقبت مرحلة ما بعد الاستعمار وايضا كيف يتعامل الفكر الغربي المعاصر مع الدول التي استقلت وخرجت من مرحلة الاستعمار.

إن هؤلاء المثقفين يعيشون بعيدين عن كل تواصل مع العالم العربي أولا بسبب العجز الكبير في ترجمة الأعمال من اللغات الإسلامية المختلفة (الماليزية، التركية، الفارسية، الأردية..) إلى العربية وبالعكس ترجمة أعمال المثقفين الذين يكتبون بالعربية إلى هذه اللغات. وثانيا بسبب وجود تفاوت في القضايا المعرفية التي تشد هذه العوالم قد لا تجد لها صدى في العالم الآخر

في هذا السياق ألف حسين العطاس كتابه الذي ذاع صيته والذي سماه “ثورة المجانين” (The Revolution of the fouls) لكن الناشر رفض هذا العنوان واقترح من عنده عنوانا تقليديا وهو “المثقفون في المجتمعات النامية” (lazy native
)(2) كما اخبرنا حسين العطاس، وقد حاول ان يعمق النقاش حول ما طرحه قبل ذلك في كتابه الحداثة والتغيير الاجتماعي في جنوب شرق آسيا وهو ما أصبح يعرف بنظرية الأسر العقلي او الأسر الذهني (the theory of mental captivity). وفي نفس السنة طرح كتابه أسطورة الإنسان الكسول (The Myth of the Lazy Native) والذي يعد ردا قويا على بعض النظريات الاستعمارية التي يزخر بها خاصة حقل الانثربولوجيا وبعض التفريعات من علم الاجتماع، والتي تريد ان تطبع المجتمعات المستعمرة ببعض السمات الخاطئة، وقد اعتبر ادوارد سعيد هذا الكتاب فريدا من نوعه ومتميزا(3)، لانه يعتبر من الكتب الأولى الممهدة لدراسة الغرب من وجهة نظر الشرق.

لن نستطيع ان نحيط بمختلف ما طرحه عالم الاجتماع والفيلسوف الماليزي حسين العطاس وكل ما نامله هنا ان نكون قد استطعنا لفت النظر إلى هذه الشخصية العلمية والفكرية الوازنة ونامل ان تتاح لنا فرصة اخرى في وقت لاحق لتقديم عرض اكثر تفصيلا عن بعض القضايا الفكرية والمعرفة التي شغلت اهتمام حسين العطاس وربما نتمكن من اجراء حوار معه يلخص مسيرته العلمية والثقافية وحتى يتمكن المهتمون بقضايا الفكر والفلسفة من الالتفات إلى هذه الجهود الكبيرة التي تبذل خارج العالم العربي والتي تثري الفكر الإسلامي وتمده بأنفاس تجديدية عميقة الأثر.

*****************************

(1) Reflections on the Theories of Religion (1963), The Sociology of Corruption (1968), Thomas Stamford Raffles: Schemer or Reformer? (1972), Modernization and Social Change in Southeast Asia (1972), Intellectuals in Developing Societies (1977), The Myth of the Lazy Native (1977), The Problem of Corruption (1986) * Corruption: Its Nature, Causes and Functions (1990), “Corruption” in Oxford Companion to World Politics OUP New York (1993), “Social Sciences” in The Oxford Encyclopedia of the Modern Islamic World Vol 4 OUP New York (1995), Corruption and the Destiny of Asia (1999)

(2) ALATAS, S.H. (1977), Intellectuals in developing societies, London, Frank Cass

(3) Edward Said , Culture And Imperialism (1993)