الثقافة

الحركة الإسلامية ومعادلة التاريخ

كتب: رياض حاوي 

لعل الأمر المحوري الذي يشد الباحث وهو يقارن بين جهود الحركة الإسلامية في الجزائر قبل الاستقلال وبعده هو مدى الاحتفال والاهتمام بالتاريخ لا باعتباره مادة من مواد التعليم التي تعطى للتلاميذ في المدارس لتوسيع مداركهم ومعارفهم، ولكن باعتباره أحد المكونات الأساسية لشخصية الإنسان والذي يصنع وجوده ويشكل اللبنة المركزية في بناء وتكوين رؤيته لنفسه وللعالم.

الواقع أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين باعتبارها أم الحركة الإسلامية المعاصرة في الجزائر وهي تمثل قبل الاستقلال الركيزة الأساسية في مشروع الإحياء والنهوض الحضاري الذي أدى إلى التحرير استطاعت أن تجعل من التاريخ ميدان معركة حضارية بينها وبين المشروع الاستعماري الاستيطاني الفرنسي، ونجحت في خوض هذه المعركة بكل جدارة وإلى أبعد الحدود.

وبالمقابل نجد أن كثيرا من فصائل الحركة الإسلامية بعد الاستقلال، كانت تعيش حالة من الاستلاب والضياع وخصوصا الشعور المدمر الذي لازمها والذي أدى بها إلى رفض الإرث التاريخي سواء ذلك الذي تمثله جمعية العلماء تحديدا أو إرث الحركة الوطنية الاستقلالية عموما بما فيها الثورة المجيدة التي حررت الشعب الجزائري من نير الاستعمار الفرنسي. وكان من الإفرازات المباشرة لحالة الاستلاب والضياع هي القطيعة الابستمويلوجية – بتعبير الفيلسوف باشلار – مع التاريخ.

New Year is coming

حقيقة هناك جهودا حثيثة استدراكية مثلتها مدرسة البناء الحضاري الإسلامية بعد الاستقلال في تأكيد استمرارية نهج العلماء في الاحتفاء بالتاريخ، واعتبار جهاد الشعب الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي هو جزء من معركة الأمة الإسلامية ضد قوى الهيمنة العالمية. ومثلت هذه الجهود أحد أهم العناصر التي ساهمت في تبصير الظاهرة الإسلامية الحديثة بعد الاستقلال بمدى أهمية التاريخ كمكون للشخصية الإسلامية المعاصرة.

لكن هذه الجهود كانت تجابه دائما بكتلة من الضحالة في التفكير ضمن الظاهرة الإسلامية نفسها، والتي تنظر إلى التاريخ الذاتي كمناقض لتاريخ الأمة الإسلامية، بدلا من رؤية التاريخ الذاتي كصفحة مشرقة في تاريخ الأمة الإسلامية لا يتناقض معها بل يكملها ويطعمها بمنجزاته الحضارية، ويصب في المحصلة في رصيد كل الشعوب الإسلامية.

وبفعل هذا الاختلال الخطير في فهم الذات وما يحيط بها عاش قطاع من الجماعات الإسلامية في الجزائر في غربة وعزلة خانقة بدأت بالتنكر للتاريخ الذاتي جملة وتفصيلا وانتهت باستيراد تاريخ آخر والتماهي معه لملئ الذات الواعية وإشباعها.

ما من شك أن ثمة خلل عميق أصاب بنية التفكير لدى هذه الجماعات التي نسيت أو غاب عنها أن التاريخ لا يقف عند حدود المعرفة وإشباع التطلع إلى الوراء والنظر بعيدا في عمق الماضي وإنما هو عبارة عن سجل مفتوح يدعو لاستخلاص العبر والعضات من صفحاته حتى تستطيع حركة الإنسان تسجيل بصماتها على صفحاته الجديدة في الحاضر والمستقبل.

إن الحاجة للتاريخ تبقى ضرورية لأنه يتضمن ذاكرة الأمة، وهو يشكل رصيد خبرتها وتجربتها التي تؤثر لا محالة في الحاضر والمستقبل. والانقطاع عن التاريخ يجرد المرء من أحد أهم الأدوات التي تساعده على فهم الدورة الحضارية. فالتاريخ ليس مجرد أحداث ووقائع بل هو سنن وقوانين تحكم سير الإنسان في الوجود. والتعاطي مع التاريخ لا يتوقف عند مجرد سرد الحدث كما وقع في حيز الزمان والمكان ولكن يتجاوزه إلى فهم قوانين التغيير الحضاري. والتاريخ ينبه إلى المخزون الثقافي والتربوي والسياسي الذي يؤسس عليه التغيير ويضاف فوق لبناته لبنة جديدة ترمز للاستمرارية والوفاء.

لقد وعت جمعية العلماء المسلمين قبل الاستقلال ومن سار على دربهم بعده أن التاريخ ليس احتفالات فلكلورية على طريقة العوام في قراءة بردة البصيري يوم المولد النبوي وكأن هذه القراءة الفلكلورية تكفي لتحرير المسلم من تبعات الالتزام بمنهج النبي عليه الصلاة والسلام والسير وفق توجيهه الكريم. بل التاريخ هو كتلة من الملاحم البطولية والخبرات الانجازية الحضارية الذي يحتاج إلى قراءة واعية وراشدة ومنهجية شاملة باعتباره بوابة الإقلاع والنهوض. كما أن التاريخ صفحات من الإخفاق والفشل التي تحتاج إلى عقول ونفوس واعية تستخلص العبر والعضات، وتفرز نقاط القوة عن نقاط الضعف لتؤسس لمستقبل جديد.

وكلما تحسنت العلاقة مع التاريخ سواء الذاتي أو الإنساني وتحسنت مستويات الوعي بمفرداته، وتعرجاته والوقوف على كنوزه كلما تمكنت الحركات الواعية من توطيد وجودها في حركته الدائمة، لان التاريخ مستمر وحركة التاريخ متواصلة.