المسافة الفاصلة بين المفتي والمفكر
بقلم: رياض حاوي
لا زلت أذكر أننا أيام حياتنا الجامعية في مطلع التسعينات من القرن الماضي نضمنا أياما دراسية ومعرضا حول المرأة، من أجل ابراز مكانة المرأة في الإسلام ودورها القيادي ومقارنة ذلك بما آلت إليه اوضاع المرأة في الغرب. وكان من فعاليات تلك الأيام أن طلبنا من سعادة السفير الألماني المفكر المسلم مراد هوفمان بأن يقدم محاضرة حول المرأة في الحضارة الغربية.
لقد كانت المحاضرة ناجحة إلى أبعد الحدود فقد كان الحضور الشعبي منقطع النظير وتوافدت فئات المجتمع البومرداسي(1) من مختلف ألوان الطيف السياسي ومختلف المد

ارس الفكرية والأيديولوجية التي يزخر بها المجتمع الجزائري. وعلى الرغم من أن المحاضرة كان تخص المرأة الغربية في المجتمع الغربي وهو ما التزم به السفير المحاضر، لكن مقدم المحاضر تفاجأ بسيل من الأسئلة التي تدور حول اللباس الشرعي للمرأة المسلمة وموقف الإسلام من عمل المرأة وغير ذلك من الأسئلة التي كانت تشغل بال الناس في ذلك الوقت. كان قسم من الجمهور لا يتوانى في طرح أسئلة شرعية، وهو لا يفرق بين المحاضر الذي يقارن وضع المرأة في الحضارة الغربية ويقدم وصفا له ونقدا لوضعها وبين المفتي والفقيه الذي يستطيع ان يجيب عن التساؤلات الفقهية للمتعطشين. وسرعان ما تفطن مقدم المحاضرة إلى هذه الأسئلة الشاذة والخارجة عن السياق وقال للحضور من أراد أن يستفسر عن احوال المرأة في الغرب فعليه أن يسأل سعادة السفير ومن أراد أن يستفسر عن شؤونه الدينية فعليه أن يسأل سعادة المفتي ويوجه سؤاله لمشائخ العلم الشرعي.

وشيء من ذلك كان قد وقع للمفكر المسلم رجاء غارودي، فبمجرد ما أعلن تحوله من الماركسية إلى الاسلام ونطق الشهادتين حتى ظن البعض أن منصبه المبرز كأستاذ ومنظر في الفلسفة الماركسية يخوله أن يصبح مجتهد في الفقه الإسلامي يزاحم الإمام الشاطبي والغزالي وابن تيمية. والذين تابعوا رجاء غارودي وهو يدعى إلى ملتقيات الفكر الإسلامي في الجزائر في الثمانينات لاحظوا شدة انزعاجه من الأسئلة التي تطرح عليه. لكن هوى الناس يفرض سياقات معينة ولم يعرفوا ان الرجل ما زال يحبو في حقل الفكر الإسلامي ولا يس
تطيع أن يتحول بين عشية وضحاها إلى فارس في القواعد الفقهية ومباحث الدلالات من علم أصول الفقه، حتى يستطيع أن يبز غيره في مجال الفتوى.
تصريحات الترابي نتاج المناخ الثقافي السائد في عالمنا والذي لا يفرق بين الوظائف والاختصاصات والأدوار الاجتماعية والسياسية والعلمية، وهو يريد أن يختزل كل العوالم في دور واحد.
أسوق هذا الكلام بين يدي “الضجة” التي أحدثتها تصريحات الشيخ الترابي أحد وجوه الحركة الإسلامية المعاصرة وأحد أبرز قياداتها في العالم الإسلامي. ذلك ان التصريحات هي نتاج المناخ الثقافي السائد في عالمنا والذي لا يفرق بين الوظائف والاختصاصات والأدوار الاجتماعية والسياسية، وهو يريد أن يختزل كل العوالم في دور واحد.
فالخطيب في المسجد لا يتوانى عن أن يتحدث في مسائل استراتيجية وقضايا اقتصادية بكثير من التبسيط المخل ويبني عليها أحكاما شرعية شديدة الخطورة بينما يعجز عن فهم أبسط معادلات التنمية الاقتصادية بمعناها المدرسي، ويذهل عن تفسير النسب والأرقام الاحصائية ولا يعرف دلالاتها ومعانيها. والطبيب أو الممرض الذي يتعذر عليه تدارك أخطائه في الصلاة ولا يتقن أحكام السهو لا يتوانى في اصدار الفتاوى الفقهية الكبرى التي لو عرضت على مالك لبقي يفكر فيها طيلة أربعين ليلة. وقد يمر المرء بسوق النجارين فيسمع نقاشات في الفقه والحديث حتى يخال نفسه أنه في مجلس ابن حجر أو في حضرة الترمذي والنسائي. وإذا أرخى سمعه لهذا النقاش الشعبي سيلاحظ مدى الخلط بين أبواب العلم وفروع المعرفة فأحد النجارين يجادل صاحبه في مفهوم الحديث المرسل وهو يتحدث عن الغريب والآخر يصيح هناك ويرد على الاثنين بذكر تعريف للحديث الضعيف.
ما من شك أن الصحوة الإسلامية المعاصرة قد حببت الناس للاهتمام بالدين ومباحث الشريعة وسهلت سرعة الطباعة وتوفر المراجع النادرة التي كانت تشد لها الرحال في اشاعة الثقافة الدينية على نطاق واسع. بيد أن هذه الثورة المعرفية خلت من الضوابط والحدود وانتهكت حرمات العلوم وخصوصياتها المدرسية. وللأسف ما لا يستساغ في العلوم الأخرى ويسمح به في العلوم الإسلامي التي أصبحت كلأ مباحا يأكل منه كل من يشاء في الوقت الذي يشاء بدون حرمة ولا حمى يحميها من المتطفلين. بينما العلوم الاخرى تحافظ على خصوصيتها إلى درجة الغلو. فلا يكون دارس الجغرافيا المتخصص فيها ملما بعلم الفيزياء ومتخصص فيه إلا على وجه من العبقرية التي لا تتاح لكثير من الناس، فضلا عن أن يكون ملما بدقائق عشرة من العلوم من فيزياء وكيمياء وأمراض المفاصل وفلسفة هايدجر ولسانيات تشومسكي ومقاصد الشاطبي ووجدانيات عمر الخيام.
هناك فرق بين السماء والأرض كما بين التخصص العلمي والثقافة العامة، الثقافة العامة التي تقتضي فهم واستيعاب للكليات المعرفية بما يساعد المرء على مسايرة التطورات المعاصرة في الحياة. ومع ذلك نجد جيل الأبناء متفوق عن جيل الأباء في القدرة على استخدام الانترنيت او الهواتف النقالة والابحار في وظائفها حتى وكان بين الجيلين سنة ضوئية، وليس سنوات شمسية.
لا يهمني في هذا المقام فحوى ومضمون الخطاب الذي القاه الشيخ الترابي ولا الأفكار والآراء التي اعتبرت شاذة والغرض منها هو البحث عن الاثارة ولفت الأنظار. وكل ما أريده هو التنبيه إلى اهمية التفريق بين دور المفكر ودور الداعية ودور الفقيه أو المفتي.
في فضائنا الاسلامي شهد العالم الثقافي بروز دور المفكرين وهم الشخصيات العامة التي تسعى لتبليغ التصور الإسلامي لأكبر قطاع من المجتمع وهذا الدور برز أساسا مع انتشار الصحافة والاعلام ووسائل الاتصال المعاصرة، التي جعلت الآراء تتناقل في أفاق الأرض في لمح البصر. الأمر الذي أعطى لهذه الآراء صبغة المادة الدسمة التي تستغل في كثير من الأحيان لاحداث الإثارة الاعلامية المطلوبة وجلب الأنظار وانتاج مادة اعلامية متحركة تشد الانظار.
بيد انها في ميزان المعرفة العلمية الصلبة أو ما يسمى بالعلوم الصحيحة (Science exacte) لا تستقيم على أساس علمي متين ولا تقوم على ساق المعرفة المؤسسة القائمة على أصول البحث العلمي(2) ما لم تكن معززة بالدليل.

ستظل هناك علاقة وطيدة بين المفكر والفقيه وبين المثقف وعالم الشريعة، فكلاهما يخدمان غاية واحدة وهي تعبيد الناس جميعا لله وحده والتسليم لجبروته وقوته والتعريف بدينه وانتاج نموذج التدين الذي يجعل المثال يتنزل على الواقع، ولكل منهما وسائله وخصائصه ومنهجيته التي تتوافق مع دوره في الحياة، والمؤهلات التي اكتسبها. ولكن من المهم أيضا ادراك الفرق بينهما حتى لا تختلط الوظائف والأدوار. فزعيم الحزب السياسي ليس بالضرورة أستاذ باحث في الاثربولوجيا أو الفيروسات المميتة. فهذه التخصصات الدقيقة تحتاج إلى أهلها المعتكفين في المخابر وورشات البحث العلمي والذين لا يعكر صفوهم تدافعات الحياة العامة وقلق مناشط السياسة اليومية وإذا صدرت أبحاثهم صدرت مشفوعة بمراجعات اللجان العلمية وحلقات البحث وصدرت في المجامع العلمية والمجلات المحكمة.
هذا هو الذي يصح في مختلف فروع المعرفة كما نشهد ذلك يوميا لدى الامم المتقدمة! ولست ادري لماذا نحن المسلمين لا زلنا نجعل من مواد الندوات الثقافية والمؤتمرات الشعبية وكانها مراجع علمية موثقة تتأسس عليها المعرفة، ويستنفر الناس لتأييدها او دحضها وتأليف الكتب لأجلها.
الأحكام المطلقة والجزافية ترقى إلى مرتبة الدوغما أو المسلمات وهي لا تليق بباحث علمي يصدر بحثه بالأدلة والبراهين فمابالك أن تكون الأحكام المطلقة صادرة في محفل ثقافي او تجمع شعبي.
هناك مساحة هامة لا نغفلها تعد من حق المثقفين والمفكرين من أمثال الشيخ الترابي وهي واجب اثارة التساؤلات والتعبير عن القلق الذي ينتاب الذات في هذا الموضوع او ذاك. في نوع من الجدلية بين الفكر والفقه او بين القلق المعرفي والمعرفة العلمية، فليس هناك مجال للمعرفة العلمية دون وجود تساؤلات ووجود قضايا تثير النقاش فتكون مادة للبحث العلمي القائم على الدليل. صحيح ان الأحكام المطلقة والجزافية ترقى إلى مرتبة الدوغما أو المسلمات وهي لا تليق بباحث علمي يصدر بحثه بالأدلة والبراهين فمابالك أن تكون الأحكام المطلقة صادرة في محفل ثقافي او تجمع شعبي.
كان الترابي من الأوائل من استفزته العلاقة بين الإسلام والديمقراطية وانتبه مبكرا إلى الفرق بين عقيدة الديمقراطية وبين آليات الديمقراطية! وهذا الاستفزاز ما كان ليحدث لولا المعاناة التي عرفتها تجربته الطويلة في تحريك أمة الدعوة نحو غايات الدولة. وكان من الأوائل الذين طرحوا أهمية مراجعة أصول الفقه الإسلامي بسبب طغيان المنطق الأرسطي على مباحث منه مثل القياس؟
وكانت هذه الاستفزازات التي يثيرها امام العقل المسلم تفتح ثغرات في الوعي والبحث ولعله من الاوائل أيضا من نبه لميدان المقاصد ومباحثه. لكن انشغاله الدائم بهم الممارسة اليومية ربما فوت عليه فرصة التحول إلى باحث يعزز القلق بالمناقشة العلمية الهادئة والانفتاح الواعي على الدرس التراثي وعلى مختلف مدارسه ومختلف ادواته العلمية، ويستقل بآرائه في شؤون الشريعة والسياسة والاجتماع بناء على الدليل العلمي وليس الانطباع الثقافي. فاستمرت نزعة القلق والاستفزاز تكبر معه حتى وهو يشارف الثمانين من عمره. وتلك علامة الشخصيات القلقة في التاريخ. يكبر السؤال وتضمر الاجابة؟! لأن هم الواقع أكبر من احاطة الاجابة الآنية!
نظرات الترابي في السياسة والاجتماع لا تحظى بأي التفات لدى الدارسين في هذه الحقول ذلك أن علماء السياسة يفرقون بكل تأكيد بين التصريحات الشعبية التي تجنح نحو التعميم والمبالغة ولا تخرج عن نطاق الانطباعات الشخصية وبين البحوث العلمية التي تقوم على الاستقراء والتحليل ودراسة البيانات والجداول الاحصائية والمقارنة بين تاريخ الأمم والشعوب والدول.
وربما أزمة الترابي تنبع من ازمة تلاميذه، فغلبة الجلبة السياسية لم تسمح بميلاد مدرسة فقهية سودانية تنتقل من حالة القلق الوجداني والعاطفي والاستجابة اللحظية لمتغيرات الواقع إلى تشكيل خط فكري متماسك يعزز قناعاته بالمدارسات العلمية ويقوم التلاميذ بتطوير أطروحات الأستاذ والتمسك بما بدا قائم على أساس علمي ونقد ما ينبغي نقده مما لا يتوافق مع أبجديات البحث العلمي ويدخل في نطاق الانطباع الثقافي والرأي المفتقر للدليل. ولعل هذه هي حدود الحركات السياسية، التي هي استثمار متواصل في الحدث ولكنها لا تملك الاستثمار العميق في العقل والمعرفة فتتحول كل امورها إلى تصريحات وندوات شعبية.
ومن الملفت للانتباه أن نظرات وانطباعات الترابي في السياسة والاجتماع لا تحظى بأي التفات لدى الدارسين في هذه الحقول ذلك أن علماء السياسة يفرقون بكل تأكيد بين التصريحات الشعبية التي تجنح نحو التعميم والمبالغة ولا تخرج عن نطاق الانطباعات الشخصية التي تتغير بين فترة وأخرى، وبين البحوث العلمية التي تقوم على الاستقراء والتحليل ودراسة البيانات والجداول الاحصائية والمقارنة بين تاريخ الأمم والشعوب والدول.
ليس كل متكلم في السياسة هو عالم في السياسة، وليس كل متكلم في الاجتماع هو عالم في الاجتماعيات وليس كل متكلم في الحضارة ينافس توينبي ومالك بن نبي وبول كندي.
فليس كل متكلم في السياسة هو عالم في السياسة، وليس كل متكلم في الاجتماع هو عالم في الاجتماعيات وليس كل متكلم في الحضارة ينافس توينبي ومالك بن نبي وبول كندي. ولذلك لا نجد أي شخص ينتبه لهذه المقولات الترابية ويحاول دراستها في ضوء علم السياسة، او علم الاجتماع لأنها بطبيعتها تنتمي إلى حقل الجدل السياسي التعبوي وليس إلى حقل المعرفة السياسية والاجتماعية.
بيد أن المقولات ذات الطابع الفقهي أثارت ضجة وما كان ينبغي ذلك ما دامت لا تتجاوز نطاق الانطباع والقراءات المحدودة والأحكام الدوغماية الكبيرة المفرغة من الدليل وهي بدورها تنتمي لحقل الجدل اليومي التعبوي وليس لحقل المعرفة العلمية الشرعية.
إن الترابي ضحية البيئة الإسلامية التي تريد من الفرد ان يكون صانعا لكل شيء، هذا مستحيل، فهناك المفكر وهناك السياسي وهناك العالم الفقيه ولكل واحد منهما دوره ومكانته.
المشكلة تبدأ وتنتهي في هذا الخلط في الأدوار
**********************
(1) نسبة إلى مدينة بومرداس، التي تقع شرق مدينة الجزائر العاصمة. (2) استعرنا عبارة الشيخ الترابي التي جاء فيها: لا أساس لها من الدين ولا تقوم على ساق من الشرع الحنيف