المصالحة الوطنية
رؤية استراتيجية
بقلم: رياض حاوي
سنبقى غير قادرين على تمثل التحديات الحقيقية التي تحيط بأمتنا ما دمنا غير قادرين على الفصل المنهجي بين اللحظي والآني وبين الثابت والاستراتيجي والمستمر. إننا نتعامل مع الملفات الكبرى بنفس القدر من التقصير وكأنها ملفات عابرة ومحدودة تبدأ وتنتهي عند أرنبة الأنف. وإلا ما معنى أن نستمر في الغفلة عن الرهانات الحقيقية والتحديات الكبرى ونحصر أنفسنا في طريق مسدود؟
وما معنى ان تكون صحوة الضمير الجماعية التي تنشد تحقيق مصالحة وطنية بأتم معنى الكلمة لكنها لا تلقى من المحيط السياسي سوى آيات التجاهل والتبسيط؟ بل يسعى كل واحد إلى اعطائها المضامين التي تتوافق مع أهوائه الايديولوجية دون ان يراعي متطلبات المرحلة وأولوياتنا في التنمية والتطور والمخاطر المحدقة بالأمة من كل جانب!
قد يبدو من الغريب أن نفتقد لحد ادنى من صيغ الاجماع التلقائي الذي لا يحتاج إلى جلبة ولا إلى ضجيج سياسي ولا إلى حملات توعية. الاجماع الذي يتأسس على مفردات المواطنة وأبجديات الانتماء وقواعد الحرص على المصالح العليا للأمة بدل الحرص على مصالح الفئات والجماعات واللوبيات.
لقد قال الشعب كلمته مدوية بانه مع المصالحة الوطنية، كعنوان يمد المرحلة بالتدفق الروحي اللازم الذي يمكن من طي حالة التشرذم الاجتماعي والسياسي ويؤسس لمرحلة التضامن والتضافر والتعاون من أجل الجزائر ومن أجل مصالحها الاستراتيجية أولا وقبل كل شيء.
إننا في حاجة ماسة لتحقيق اجماع وطني حتى نطوي صفحة العبث والتراوح والسقوط المدوي في هاوية التآكل وتغير الجزائر مسارها من خط التدافع المرضي والاقتتال الداخلي إلى خط البناء والتعميير والنظر بعين ثاقبة للمستقبل.
علينا أن نتخلص بسرعة من كل العوائق والمطبات التي تقف في طريق استرجاع الثقة بالنفس وحالة الانكسار التي تعم جوانب الحياة، وبدلا من ذلك أن نمضي قدما في طريق تطوير الذات وتحصين الأجيال ضد مخاطر العولمة التي تجرف وراءها الأمم الضعيفة.
ما يهم هو أولويات جمع الشمل والحد من مهالك الاستهتار بحق المواطنة وحقوق الانسان ومعاملة جميع الجزائريين على قدم المساواة.
إنني لأشعر بالأسى والحسرة جراء دوراننا في المشكلات الوهمية والحلقات المفرغة بين
ما الامم الصاعدة تسعى جاهدة لتطوير ذاتها والاستعداد لجميع التحديات التي تنتصب من بعيد، تحديات يراها كل مستشرف متطلع للمستقبل ويستعد لها بكل ما أوتي من حزم ويغفل عنها كل شريد البال وشريد الوعي لا يتجاوز وعيه شبرا في أفق الحضارة.
في هذه الأيام يشتد النقاش حول مصادر الطاقة وتحديدا يتساءل الخبراء وما هو مستقبل البشرية في حالة نضوب مصادر الطاقة التقليدية والعجز عن ايجاد مواقع جديدة لاستخراج النفط؟
إن المهتمين بالمستقبل لم يتركوا الأمور للعبث والفوضى وحتى يسقطوا في مصيدة التخلف وتطأهم أقدام العلم والمعرفة بل شمروا سواعدهم للبحث عن البدائل الحقيقية. وثارت الثائرة حول ما يسمى بالبيوديزال (biodiesel) أو الديزال المستخرج من المواد الحية. وإذا كان الحالمين لا زالوا يعتبرون ذلك من أفلام الخيال فإن الواقعيين الذين يسيرون على الأرض الصلبة قد تحول الحلم لديهم إلى حقيقة ملموسة وقائمة في أرض الواقع. بالأمس القريب قام رئيس الوزراء الماليزي عبد الله بدوي بالاعلان رسميا عن “Envo Diesel” وهو الاسم التجاري للديازال الحيوي وقال كلمات معبرة جدا جاء فيها :”آمل أن أن يساهم هذا الانجاز في تغيير ذهنيات المواطن الماليزي بخصوص الامكانات الكبيرة التي يوفرها الديزال الحيوي المستخلص من زيت النخيل” وقال إن الحكومة الماليزية تريد أن تعمل بشكل مكثف مع مصنعي السيارات ومصنعي النفط من أجل رفع سقف الديزال الحيوي إلى الأعلى حتى يصبح متداول”. كان رئيس الوزراء يتحدث بعد ان قام بتزويد أول سيارة شحن حكومية تسير بالديزال الحيوي. ومن المتوقع ان تبدا التجربة بـ 100 شاحنة حكومية ثم تتبعها بقية المؤسسات.
وفي خلال 12 شهرا المقبلة سيكون في ماليزيا 3 مصانع تكرير الديزال الحيوي وتقوم بانتاج ما يزيد عن 180 الف طن كمرحلة أولى ويتوقع ان يرتفع الانتاج إلى 500 الف طن لاحقا أي ما يعادل 4 ملايين برميل شهريا.
لقد نشأت فكرة الديزال الحيوي في 1982 وقدمت اول دراسة مفصلة لمجلس الوزراء الماليزي في مارس 1983 وتحقق الحلم بنجاح الاختبارات الأولية في 2004 وهاهم اليوم يتجهون لتحويله إلى مادة استهلاكية للجميع.
وفي نفس الاتجاه قامت شركة تيوتا اليبانية بانتاج سيارة جيب سي آر دي التي تعمل بالديزال الحيوي بنسبة 5%. وهناك آمال معقودة على تطور هذا المصدر للطاقة بشكل سريع أكثر بكثير مما كان متوقعا من قبل، خاصة ان مصدره الكائنات الحية مثل زيت النخيل ومعظم الزيوت النباتية الأخرى.
أسوق هذا المثال البسيط حتى ندرك أهمية القفزات التي تحدث في العالم وأن الأمم التي استطاعت ان تجمد الصراعات التافهة والمناطحات المضيعة للوقت هي وحدها القادرة على مسايرة عجلة التطور الحقيقي. وتلك التي لا تزال مخدرة في غيها وفي غفلتها تسبح لا يمكنها أبدا أن تبصر الطريق الحقيقي للنمو.
هذا ما يجعلنا نلح على أهمية النظر إلى ما هو أبعد من أرنبة الأنف، وان نبتعد ولو لمرة واحدة عن الرؤى الضيقة والتصورات الحزبية المحدودة ونخرج من شرنقة الأيديولوجيات المريضة بتضخم الذات.
فالمصالحة ليست ورقة في يد السياسيين للمزايدات والتلاعبات وكسب الأصوات في سوق الدعاية بل هي طريق للسلم الاجتماعي وسيادة دولة الحق والعدل والقانون وتسوية الملفات العالقة وج
علها وراء ظهورنا لنتوجه للمستقبل بروح جديدة حتى لا نخطئ قطار التاريخ مرة أخرى.
إن جمع شمل الجزائريين بمختلف أطيافهم ومختلف توجهاتهم وقبول بعضنا بعضا بمزايانا وعيوبنا وعودة المهاجرين والمنفيين والمطرودين إلى وطنهم، ومسح المظالم القضائية التي تسلطت على رقاب الأبرياء، ومسامحة المخطئين الذي تجاوزوا في حق أنفسهم قبل أن يتجاوزا في حق وطنهم وشعبهم هي أكثر من واجبات وفرائض.
وإلا كيف نستطيع أن نحتل مكانتنا في المستقبل بعيدا عن روح الجماعة الوطنية وبعيدا عن الروابط الكثيرة التي توحد شمل الجميع؟ كيف سيكون هناك اقلاع حضاري راشد بصفوف مشتتة وقلوب أصابها الصدأ وعلاها سواد الغفلة عن الله والتوغل في الظلم والمظالم.
إننا أمناء جميعا مهما تعددت مواقع مسئوليتنا ومهما كانت محدودة على واجب التكفل بالترويج لثقافة السلم والمصالحة والعفو، أمناء على واجب الجام كل صوت كفور مناهض لتسامح الجزائريين وتراضي قلوبهم بعضهم عن بعض، وأمناء على واجب خلق ثقافة البناء الحضاري بمفهومه الشامل الذي يعزز وحدة المجتمع وأصالته ويسرع خطوات نموه الاقتصادي وتكامله الاجتماعي.
وسبق لي أن قلت خطوة المصالحة الوطنية ليست إلا خطوة أولى في طريق طويل يجب حمايتها أولا وتعزيزها ثانيا وتذليل الطريق أمامها ثالثا، ولا يمكننا أن نتحدث عن مستقبل للجزائر دون سيادة لغة الأخوة والتسامح وتطلع الجميع للمساهمة الجدية في بناء البلاد.
ومراحل ما بعد المصالحة أصعب بكثير من هذه الخطوة، لأنه عندئذ يتفرغ الجميع للقضايا الحقيقية بعد طي صفحة المشكلات المزيفة والمفتعلة.