درس جديد في الديمقراطية
أبو جرة سلطاني رئيسا لحمس
كتب: رياض حاوي
انتخاب الأستاذ أبو جرة سلطاني رئيسا لحركة حمس ليس حدثا بسيطا في تاريخ الحركة الإسلامية في الجزائر، وتطورها النوعي نحو البناء المؤسساتي.. وبكل المقاييس فإن تتويج خليفة النحناح عن طريق الانتخاب وبأغلبية بسيطة في الأصوات يعكس حالة صحية ومستوى من النضج قد بلغه الأداء الإسلامي، والواجب تثمينه وتطويره وتزكيته حتى يؤدي نتائجه المرجوة في تغليب روح الفريق على عقلية الفرد.
والحركات الشعبية عادة ما تمر بمنعطفات حادة في مراحل تغيير قبطان الباخرة، قلما تخلو من الصدامات التي تؤدي في كثير من الأحيان إلى الانشقاق والتصدع.. ذلك أن روح المؤسسة ليست سارية في جوانب التنظيمات بقدر ما تتحكم فيها روح العصبية والفئوية وقد تنزل إلى جهويات وقبليات وعشائر..
بينما الفكرة، غير المتحولة إلى شخص، مغيبة عن ساحة الفعل التنظيمي..
والارتفاع بالجهد الجماعي إلى مصاف الأداء المؤسساتي الصارم، والاحتكام إلى رأي الأغلبية وإعطاء الفرصة للقاعدة كي تعبر عن ذاتها من خلال ترشيح وانتخاب ممثلين عنها في مواقع القيادة، يعتبر نقلة نوعية ليس فقط في صفوف الظاهرة الإسلامية ولكن أيضا بالنسبة للظاهرة السياسية عموما بمختلف كياناتها في المشهد السياسي الجزائري..
ومؤتمر حركة حمس الأخير يعتبر متميز من هذه الناحية بفعل ما سبقه من تجاذبات ومناورات في الكواليس، جعلت البعض يخشى انفجار المركبة، وبفعل الأداء المتميز الذي خضع لمقاييس العمل المؤسساتي وحدود الأطر التنظيمية، ووفق القواعد واللوائح الناظمة لسير العمل..
لقد بدأ العمل الإسلامي في الجزائر بشكله المعاصر في أواخر الستينات، وكانت الظروف العامة لا تسمح سوى بهياكل دعوية تخضع لقانون السرية وظلمة دهاليز وأقبية الأطر الغامضة والمظلمة.. وعلى الرغم من أن تلك المرحلة كانت مهمة ولعبت دورها في بناء الإطارات المؤسسة للحركة الإسلامية المعاصرة في الجزائر إلا أنها تركت كثيرا من التشوهات البنوية والفكرية بسبب انعدام فضاء الحرية..
وكانت عملية الانتقال والتحول من مرحلة السرية إلى مرحلة العلنية عملية عسيرة بل ربما جاز لنا القول أنها قيصرية.. فتلك الإعاقات التنظيمية والفكرية التي تولدت في مناخ السرية حالت دون أن تكون عملية التحول تسير وفق السنن والقوانين الناظمة لحركة التجمعات الإنسانية.. فصاحبت عملية التحول أشكال متعددة من التنافر والتنابذ .. وأشكال أخرى من هيمنة القيادات التاريخية بحكم مسؤولية التأسيس وزرع نواة العمل..
ثم جاء عمر الديمقراطية الجزائرية قصيرا بعد التهام العسكرتارية الغافلة للعملية الديمقراطية وإجهاضها في المهد.. مما أدى مرة أخرى إلى تلغيم المناخ العام وتفجير بنى المجتمع، فلم تتوفر الفرصة التاريخية للجماعات الإسلامية المتحولة للعلن كي تبنى هياكلها المؤسساتية وفق آليات التنظيم الاجتماعي المعاصر..
ويمكن القول أن سنوات الأزمة الخطيرة التي مرت بها الجزائر جعلت الحركات الإسلامية تسير وفق قانون طوارئ غير معلن عنه.. فرضته الأجواء المشحونة والمتفجرة، مما أدى إلى إبداع آلية التفويض، كطريقة في إصدار القرار بالنيابة، باسم الجميع وفي بعض الأحيان خلاف رغبتهم وطموحهم..
وهكذا مضت الحركات الإسلامية الجزائرية تحصد نتائج اختلال الموازين في المناخ العام الذي فرضته أزمة العلمانية في العالم الإسلامي والوطن العربي تحديدا، تلك الأزمة التي كادت أن تعصف بكيان الدولة الوطنية رأسا.. وهذا ما جعل عملية التحول من النسق السري في العمل والتنظيم إلى المؤسسة العلنية المسئولة عن مواقفها وخياراتها التاريخية ليس بالأمر الهين..
ولذلك كان مؤتمر حمس الأخير متميزا من حيث كونه شكل تجربة تاريخية لإدارة الصراع بين مختلف الكتل والعصبويات داخل الأطر التنظيمية ووفق لوائح المؤسسات العلنية العاملة في المجتمع.. ومتميز من حيث النتائج التي جاءت بعكس إرادة القيادة التنفيذية أو أبرز عناصرها على الأقل وهذا أعطى مساحة مهمة لرأي القاعدة والمناضلين.. رغم محاولات الكولسة و”التخياط” على حد تعبير الأستاذ النذير مصمودي..
فهنيئا لحركة حمس هذا النجاح المؤسساتي الواجب تثمينه بمزيد من وحدة الصف وتماسك الكيان، وتفريغ أشكال التذمر والقلق والإختلاف داخل المؤسسة ووفق لوائحها.. وهنيئا للحركة الإسلامية هذا التحول الديمقراطي.. الذي هو بلا شك صفعة لبقايا العلمانية والعلمانيين في الجزائر..