دساتير رؤساء الجزائر:
ملاحظات على دستور بوتفليقة
بقلم: رياض حاوي
يجري النقاش حاليا حول ما يسمى بمقترحات حزب جبهة التحرير الوطني لتعديل الدستور في محاولة لتدارك ما تعتبره جبهة التحرير بقيادة عبد العزيز بلخادم ثغرات دستورية كما تشيء به بنود دستور 28 نوفمبر 1996 . وهذه المرة الثالثة التي يتعرض فيها الدستور الجزائري للتعديل في فترة زمنية تقل عن 20 سنة أي في ظرف عقدين من الزمن ستكون الجزائر قد “تمتعت” بثلاثة دساتير وبذلك يستحق دهاقنة السياسة عندنا دخول موسوعة جينز من بابها الواسع.
لعل الثابت الوحيد الذي أمكن لنا ملاحظته عبر التاريخ السياسي المعاصر للجزائر منذ الاستقلال هو أن الدستور إنما ينشأ بحسب الحاجة الوهمية وتطلع كل رئيس لوضع دستور خاص به.
ليس خافيا ما أصاب الجزائر من غبن جراء العمل المتواصل لتحريف النقاش السياسي عن مجراه الطبيعي، وخلق مصادر جديدة للتشويش مما يسهل المهمة على هؤلاء الذين يهمهم ان تطفو الضحالة الفكرية ويكرس التشرذم السياسي وتصاب قوى التغيير الفاعلة بالوهن والعجز المفضي حتما إلى الاستكانة والركون.

ليس عيبا أن تفكر الجماعة الوطنية في ادخال تعديلات على الوثيقة الام في الدولة بيد ان ذلك تحدده القناعة التي تكون محل اجماع بأن الدستور الموجود قد تجاوزته الأحداث بفعل التطور الحاصل في المجتمع لا بحسب اعتقاد عصابة معينة في السلطة أو في المعارضة بأن مصالحها أصبحت مهددة وأن مستقبلها السياسي معرض للزلازل المخبوءة في رحم المجتمع.
لكن في النهاية ستكون المبادرة رئاسية تماما كما فعل بن بلة في مطلع الاستقلال الذي استبعد الجمعية التأسيسية صاحبة الصلاحية بوضع الدستور وتولى المهمة المكتب السياسي واعد مشروعا تمهيديا عرض على اطارات الحزب الذي أقرته في 31 جويلية/يوليو 1963 ثم عرض على التصويت داخل الجمعية التأسيسية ثم الاستفتاء بتاريخ 8 سبتمبر 1963 .
ولعل الثابت الوحيد الذي أمكن لنا ملاحظته عبر التاريخ السياسي المعاصر للجزائر منذ الاستقلال هو أن الدستور إنما ينشأ بحسب الحاجة الوهمية وتطلع كل رئيس لوضع دستور خاص به. ورحم الله صديق دبيلي الأمين العام الأسبق لجبهة القوى الاشتراكية الذي علق قبل عشر سنوات عندما بادر رئيس الدولة زروال ليامين باقتراح وثيقة دستور جديد للالتفاف على دستور الشاذلي بن جديد الذي وضع في 1989 قال: كل رئيس جاء وضع دستور خاص به، فبن بلة وضع دستور 8 سبتمبر 1963 وبومدين وضع دستور 1976 والشاذلي بن جديد وضع دستور 23 فبراير 1989 وليامين زروال وضع دستور 28 نوفمبر 1996″ ونظيف بان بوتفليقة لا يريد أن يترك مقاليد الحكم إلا وقد بصم تاريخ الجزائر بدستور بوتفليقي جديد حتى يكتمل المشهد السريالي الحزين.
ولعل من تقاليد التعديلات الدستورية في الجزائر أن المبادرات تأتي دائما من أعلى الهرم خاصة من مؤسسة الرئاسة، حتى وإن بدا هذا الأمر مختلفا على نحو ما مع بوادر الدستور البوتفليقي الجديد حيث كلفت جبهة التحرير بتقديم المقترحات العملية التي سيتم ادخالها على دستور ليامين زروال .
ومع ذلك لا مناص من الاعتراف لدستور بن بلة بأنه كان يضمن قدرا من التوازن في الصلاحيات بين مختلف المؤسسات. فقد تضمن الدستور مادة تخول الهيئة التشريعية سحب الثقة من رئيس الجمهورية ومراقبة أعمال الحكومة بل اسقاطها في حالة تقديم اقتراح من قبل ثلث النواب والمصادقة عليه بعد خمسة أيام من قبل كل النواب، وحينئذ توكل رئاسة الدولة إلى رئيس المجلس، الذي

يعين رؤساء اللجان التشريعية كوزراء بهدف تسيير الأمور إلى غاية اجراء الانتخابات.
وجاء انقلاب الرئيس هواري بومدين الذي أطاح بن بلة وأوقف العمل بدستوره ونظم مؤسسات البلاد من خلال أمر 10 جويلية 1965. ولما تصاعدت نبرة المعارضة لنظام هواري بومدين الذي ركز السلطة في يده وفي يد مجلس الثورة وينص هذا الامر خصوصا على أن رئيس الدولة يجمع بين كل الوظائف (رئيس مجلس الثورة، ورئيس مجلس الوزراء، ورئيس الحزب) وله حق محاسبة أي وزير وهو الذي يوقع على الأوامر الحكومية. فبعد ان كانت السلطة مركزة في قوة المكتب السياسي للحزب حولها بومدين إلى قبضته هو شخصيا.
هذا المناخ التشريعي حرم الجزائر من تبلور نخب سياسية واعدة ومحتمع مدني ناضج ودينامي وذلك بفعل خوف السلطة من المنافسة الحقيقية.
ثم طرح استفتاء حول دستور 1976 الذي اكتفى باعتبار السلطات السيادية في الدولة مجرد وظائف واعتبار الهيئة التشريعية واجهة سياسية مجردة من الصلاحيات الفعلية التي يخولها الجسم الانتخابي، مع الحفاظ على مركزية وهيمنة مؤسسة الرئاسة.
وهذا المناخ التشريعي حرم الجزائر من تبلور نخب سياسية واعدة ومحتمع مدني ناضج ودينامي وذلك بفعل خوف السلطة من المنافسة الحقيقية.
وكانت أحداث أكتوبر 1988 ابان خكم الرئيس الشاذلي بن جديد دافعا قويا لتجاوز هيمنة الحزب الواحد واقرار التعددية السياسية رغم معارضة المؤتمر السادس الاستثنائي لحزب جبهة التحرير الوطني لأي تحول ديمقراطي، وبادرت مؤسسة الرئاسة باقتراح تعديل جزئي في 3 نوفمبر 1988 وخلق التعديل منصب رئيس الحكومة بدلا
من منصب الوزير الأول بيد أن تلك التعديلات كانت جد شكلية لم تشبع نهم الشعب المتطلع لرفع قبضة الحزب الواحد، فبادرت الرئاسة وطرحت مشروع دستور جديد عندما أعلن الرئيس الشاذلي بن جديد في 28 جانفي/يناير 1989 أنه تقرر وضع حد لاحتكار أعضاء الحزب للمسؤوليات وأن الهدف من الاصلاحات هو اقامة دولة القانون. وبالرغم من المعارضة الشرسة للدورات الاستثنائية للمجالس الوطنية ورفضهم المطلق لكل شكل من أشكال التعددية ب
ل اعتبارها خطر على وحدة الأمة فقد كانت ارادة مؤسسة الرئاسة أقوى من ارادة الحزب ومنظماته الجماهرية، وتمت الصياغة النهائية لمشروع الدستور من قبل شخصيات من الرئاسة دون مشاكرة مباشرة للحزب.
يحسب للشاذلي بن جديد أنه أسس للتعددية الجزائرية حتى سمي أبا التعددية وذلك لما تضمنه الدستور من انفتاح كبير شكل ثورة في المنظومة التشريعية الجزائرية التي فتحت الباب على مصراعيه لكل القوى الوطنية للعب دورها في انهاض الجماعة الوطنية وتوعيتها بدلا من البقاء في دهاليز السرية.

وهكذا ولد دستور الشاذلي بن جديد ولادة قيصرية ولكن يحسب له أنه أسس للتعددية الجزائرية حتى سمي أبا التعددية وذلك لما تضمنه الدستور من انفتاح كبير شكل ثورة في المنظومة التشريعية الجزائرية التي فتحت الباب على مصراعيه لكل القوى الوطنية للعب دورها في انهاض الجماعة الوطنية وتوعيتها بدلا من البقاء في دهاليز السرية.
ولعله من المفيد في هذا المقام التذكير باهم التعديلات التي وردت في دستور الشاذلي بن جديد لفهم سياق التعديلات الجديدة التي يراد ادخالها على دستور ليامين زروال، وحتى نجد الرابط المنهجي بين التعديلات الشاذلية والزروالية وأخيرا البوتفليقية.
لقد قاد حزب جبهة التحرير الوطني الثورة التحريرية حيث استطاع ان يجند كافة الطاقات الوطنية ويوجهها لصناعة الهدف المشترك وهو الاستقلال واكتساب السيادة الكاملة على التراب الوطني. وبسبب هذا الترابط الوجداني بين الحزب الطليعي والاستقلال الوطني في الضمير الجمعي للمجتمع الجزائري حافظ الحزب –بصورة متذبذبة- على دوره ومكانته خاصة لدى جيل المؤسسين وأبناء الاستقلال، باعتباره الأقدر على تحقيق متطلبات بناء الدولة الحديثة كما استطاع أن يحقق متطلبات الاستقلال. وبذلك وفرت جبهة التحرير الوطني القاعدة الاجتماعية للسلطة خصوصا في ظل واقع غياب معارضة سياسية حيث ذابت كل القوى الوطنية المشكلة للمشهد الحركي قبل الاستقلال في نطاق مشروع جبهة التحرير: النصر أو الشهادة.
ثم إن الخطاب الشعبوي القائم على تمجيد بطولات النصر والتحرير وقهر الغزاة المعتدين والمزكى بالريوع البترولية ساهم في شراء نوع من السلم الاجتماعي وتخفيض حدة التوتر وارجاء كل النزاعات الاجتماعية إلى المرحلة التي تصبح فيها الدولة عاجزة عن التكفل بحاجات المجتمع الامر الذي ادى بها إلى التخلي عن المجتمع لصالح فئات وقوى سياسية ناشئة ومعارضة تتولى مهمة التأطير والتوجيه الاجتماعي وصياغة الوعي السياسي المطلبي، والذي عادة يتعارض مع توجهات السلطة القائمة.
وعلى الرغم من تعزيز دور حزب جبهة التحرير منذ اعتلاء الشاذلي بن جديد سدة الحكم، خاصة عبر المادة الشهيرة ، المادة 40، التي تعتبر المناصب الرسمية في الدولة والمؤسسات التنفيذية والاقتصادية والجماعات المحلية يجب أن تسند لاطارات الحزب، ويقصد به جبهة التحرير الوطني، الامر الذي أدى إلى تضخم دور الحزب بشكل أو بآخر، وحدثت منافسات وتنازع في الصلاحيات بين الحزب من جهة ومؤسسات الدولة الدستورية من جهة ثانية ولذلك بادر الشاذلي بن جدي إلى تقليص دور الحزب في تعديلات 3 نوفمبر 1988 خاصة الغاء الفقرتين 8 و9 من المادة 11 حيث تنص الفقرة 8 على أن رئيس الجمهورية يجسد وحدة القيادة للحزب والدولة، وتنص الفقرة 9 على ان رئيس الجمهورية يترأس الاجتماعات المشتركة بينمهما. ولمزيد من تقليص دور الحزب واضعافه تم تحرير المنظمات الجماهيرية الملحقة به من وصاية الحزب والسماح لجميع الأشخاص بالترشح دون وجود شرط الانتماء للحزب.
كانت تلك التغيرات الجزئية في ظاهرها هي التي عمقت الشرخ بين المؤسسات الشعبية وبين المؤسات التنفيذية ومنها مؤسسة الرئاسة، وربما بدون شعور منها ادت هذه التغيرات بالذات إلى حرمان الرئاسة تحديدا من السند الشعبي، إذا اعتبرنا جبهة التحرير تمثل قطاعا من المجتمع الجزائري. وفي أول فرصة اغتنمها الرئيس بن جدي أعلن استقالته من منصب الأمين العام للحزب، وجاءت حكومة غزالي بعد اضراب الجبهة الاسلامية للانقاذ ليلعن ميلاد أول حكومة غير حزبية أي لا تنتمي لجبهة التحرير الوطني، مكلفة بتنظيم انتخابات حرة ونزيهة.
وهكذا انتهى مسلسل الارتباط بين الحزب والدولة، واقتنع رجال السراي بعدم الحاجة إلى السند الشعبي ذلك أن تسيير الدولة للشؤون الاجتماعية كفيل بخلق القاعدة الاجتماعية دون الحاجة لرهن الدولة إلى حزب ما!
وحتى هذه المبادرة على الرغم من ثوريتها، إلا انها لم تعكس جدية واقتناعا راسخا باهمية التعددية والانفتاح السياسي والمنافسة الحرة واحترام رأي الشعب بقدر ما كانت تؤسس لمخرج الوحيد الذي يؤدي إلى تقاسم أعباء الفشل الاقتصادي والأزمة الخانقة دون ان يؤدي ذلك إلى المس بمبدأ احتكار السلطة، بل بالعكس يجب أن يؤدي إلى ترسيخها وانعاشها واضفاء الشرعية عليها.
ولذلك كان مشروع الشاذلي بن جديد هو ايجاد ليبرالية سياسية واقتصادية متحكم فيها ومهيمن عليها تأخذا شيئا من آدم سميث وشيئا من هوبز وشيئا من جون جاك روسو دون أن يعني ذلك الاخذ بالأهم. فدستور 1989 اعترف بالتعددية السياسية على استحياء وسمى الاحزاب “جمعيات” ذات طابع سياسي، وأقر مبدا الفصل بين السلطات ولكنه حاول تركيز الاهم في يد رئيس الجمهورية.
وعمليا لم يعمر دستور الشاذلي بن جديد فترة طويلة فقد علق العمل به مباشرة بعد انقلاب 11 يناير جانفي 1992 واسقاط الشاذلي بن جديد من الرئاسة وتولي المجلس الاعلى للدولة وهو هيئة رئاسية استحدثت على عجل لتغطية الفراغ الناجم عن تغييب بن جديد.
الرئيس زروال
والحراك الاجتماعي وقوة نشاط القوى الاجتماعية الصاعدة التي سمح لها دستور 1989 بالبروز أظهر ثغرات كبيرة في هذا الدستور، ثغرات من وجهة نظر السلطة طبعا. فالمساحات التي تركها الدستور للقوى الشعبية كفيلة بتهديد اللازمة السلطوية والتي تعني امتناع تسرب السلطة إلى خارجها. وهذا ادى تلقائيا إلى التفكير جديا في اعادة صياغة الدستور مرة أخرى حتى يحافظ على الثوابت السلطوية. وعلى الرغم من كون دستور الشاذلي بن جديد كان محل انتقاد من كافة الطبقات السياسية والقوى الاجتماعية خاصة من جانب التحفظ على الصلاحيات الواسعة التي يخولها لرئيس الجمهورية، ومع ذلك فقد دلت تجربة القوس الديمقراطي انه دستور منفتح باكثر مما يجب ومن الضروري اعادة سد الثغرات وأصبح بذلك لزاما لتغييره..

دستور زروال المعتمد في 8 نوفمبر 1996.
لم يكن دستور زروال مجرد تعديل دستوري بل هدف المشرع الذي كان وراء المبادرة إلى تغيير الأسس التي يقوم عليها دستور 23 فبراير 1989 الذي طرحه الشاذلي بن جديد. وكانت الطعنة الاولى قد وجهت للمؤسسة التشريعية، وذلك في محاولة لتجنب تكرار سيناريو الفيس الذي هيمن على الهيئة التشريعية في ظل دستور 1989. ولذلك عمد دستور زروال إلى التحجيم من دور الهيئة التشريعية لحساب الهيئات التنفيذية وخاصة مؤسسة الرئاسة ويمكن ايجاز الملاحظات النقدية في النقاط التالية:
• البدعة الأولى هي احداث غرفتين برلمانيتين واحدة باسم الغرفة السفلى أي المجلس الشعبي الوطني والثانية تسمى الغرفة العليا أو مجلس الأمة. وهنا يبدا الساحر في اخراج الارانب التي يخفيها تحت معطفه، ففي المادة 101 الفقرة 2 يعين رئيس الجمهورية ثلث أعضاء مجلس الأمة وهذا يتنافى مع المبدا القائل بأن الشعب يعين ممثليه وان الشعب مصدر السلطة، سواء تنفيذية او تشريعية، ويتعارض مع نصوص اخرى تقول أن الشعب يمارس السلطة وفقا للمؤسسات الدستورية التي يختارها حسب المادتين 6و7 كما يتنافى التعيين مع مبدأ المساواة، لان عضوين من مجلس الامة أحدهما معين والثاني منتخب لم يخضعا لنفس الشروط ولم يمرا بنفس المراحل. وهنا بدا من الواضح ان مؤسسة الرئاسة تريد ان تدعم صفوف المدافعين عن مواقفها خشية عدم التحكم في سير العملية الانتخابية بسبب افتقادها للقاعدة الشعبية.
• منصب رئيس الجمهورية منتخب ولكن في حالة الشغور او الوفاة أو حصول المانع يتولى رئاسة الجمهورية رئيس مجلس الامة الذي قد يكون معينا كما جاء في المادة 88 وهذا يتنافى مع المادتين 6 و7 ، وهذا ما حدث فعلا عندما جاء بوتفليقة وعين المرحوم محمد مساعدية وهو سناتور من الثلث الرئاسي.
• جاءت المواد 80 و81 ضاغطة على الهيئة التشريعية لأنه بكل بساطة يتم حل البرلمان في حالة عدم موافقة المجلس الشعبي على برنامج الحكومة لمرتين متتاليتين بدلا من حل الحكومة.
• تعمد الدستور خلق تنازع بين الصلاحيات بين كلا الغرفتين، بشكل غامض واقترح فقرات لفض النزاع بينهما وهذا بطبيعته يعطل عمل النواب المنتخبين كما ورد في المادة 120.
• وكبرى الكبائر هو تحويل رئيس الجمهورية إلى هيئة تشريعية كاملة الصلاحيات وذلك عبر آلية التشريع بالأوامر بين دورتين برلمانيتين بدلا من استدعاء الهيئة التشريعية بصورة استثنائية حتى يمارس المنتخبين حقهم المشروع ويكون اوصياء على قرارت الامة.
• والكبيرة الأخرى هي عدم الاعتراف بحق الأغلبية في ممارسة حقها الدستوري وممارسة السلطات التنفيذية وذلك بتعمد السكوت عن طريقة تعيين
منصب رئيس الحكومة: هل يكون من الأغلبية البرلمانية أم لا، حتى يبقى هامش المناورة كبيرا بيد السلطة! وهذا ما حدث فعلا حيث تولى علي بن فليس منصب رئيس الحكومة وهو لا ينتمي إلى حزب الاكثرية البرلمانية كما تم تعيين احمد أوحي رئيسا للحكومة رغم انه أيضا لا ينتمي لحزب الاكثرية البرلمانية.
بلخادم المراوغ؟!
• ومن البدع الكبرى هي تعددية المؤسسات القضائية بدلا من وحدة جهاز القضاء، حتى بات الناس يخشون انشاء المحاكم الخاصة بكبار المسؤولين في الدولة وأخرى خاصة بمدراء المؤسسات وربما حتى بالرياضيين والفنانين ورجال الأعمال لتبقى المحاكم العامة للغلابى والمساكين. ولم ينتبه المشرع إلى ان وحدة المؤسسات القضائية وخضوع الجميع لأحكامها على قدم المساواة من أعلى الهرم إلى الأسفل كفيل بدعم مصداقية الدولة ونزاهتنها.
دستور بوتفليقة: النظام الرئاسي لا شريك له
لقد كان واضحا حينها ان السلطة لا تهدف فقط إلى اقرار نظام شمولي بوضع آليات دستورية تركزها في قبضة رئيس الجمهورية ولكن من ناحية أخرى ضعف السلطة وقلقها من المجتمع وقواه الديناميكية فعمدت إلى هذا الهجوم على كل أسس الديمقراطية والالتفاف عليها.
كانت ذهنية الترقيع واضحة في معظم المشاريع الدستورية، وهذا الترقيع عادة يغطي مرحلة لا تتجاوز بضعة سنوات حتى تجد الجزائر نفسها تختنق بالدستور الذي وضعته، لأن الذي اهتموا بصياغة المشروع اهتموا بمكتسبات لحظية وآنية ولم يهتموا بالتأسيس للثقافة السياسية على المدى البعيد وسيادة القانون وحرمة مؤسسات الدولة.
وكانت ذهنية الترقيع واضحة في معظم المشاريع الدستورية، وهذا الترقيع عادة يغطي مرحلة لا تتجاوز بضعة سنوات حتى تجد الجزائر نفسها تختنق بالدستور الذي وضعته، لأن الذي اهتموا بصياغة المشروع اهتموا بمكتسبات لحظية وآنية ولم يهتموا بالتأسيس للثقافة السياسية على المدى البعيد وسيادة القانون وحرمة مؤسسات الدولة واستعلائها على المناكفات السياسية اليومية والحسابات الحزبية.
ولقد بدا من الواضح بعد مرور سنوات على اقرار دستور ليامين زروال أن الوضع السياسي أصبح أكثر اختلالا نتيجة الفوضى التي أنتجها دستور 1996 ، فإلى جانب ما ذكر أعلاه لم يعد من الممكن السكوت على وجود هيئتين تنفيذيتين ممثلتين في رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية وكل واحد منها له برنامجه الخاص به. ثم أي برنامج يتم تطبيقه، هل هو برنامج رئيس الحكومة أو برنامج رئيس الجمهورية، وهل الوزراء مسؤولين امام رئيس الحكومة ام أمام رئيس الجمهورية؟
فـ”الشكشوكة” التي انتجها دستور ليامين زروال فضحت الواقع السياسي أخيرا، وأصبح الوزراء يطبقون برنامجا خارج البرنامج الذي صادق عليه مجلس الشعب، أي برنامج رئيس الجمهورية، ورئيس الجمهورية زكاه الشعب في انتخابات عامة. ولكن رئيس الجمهورية يمكن ان يعين رئيس حكومة من غير حزب الأغلبية وربما يكون شخصية تكنوقراطية لا حزب لها أصلا، وهذا الاخير يعرض برنامجا من عنده لا هو برنامج الرئيس ولا برنامج حزب الأغلبية.
وهذه الشكشوكة نتجت عن “التخياط البوليتيكي” الذي فرضه منطق ازدواجية النظام الدستوري الذي جمع مساوئ النظامين المعروفين النظام البرلم

اني والنظام الرئاسي المشهورين.
ومن وراء هذه الخلفية بدأ الحديث أخيرا عن تعديل دستوري، وهذه المرة بادر حزب جبهة التحرير بقيادة عبد العزيز بلخادم لبلورة مشروع مسودة التعديلات الدستورية. والمفاجئ في هذه المبادرة أنه لم يكشف عنها بصفة رسمية، فلا أحد يعلم على وجه الدقة ما تضمنته المسودة.
وبقي مجمل النقاش يدور على نقطتين:
العهدة الثالثة للرئيس بوتفليقة، حيث تعمد نص التعديل الدستوري تجاهل تحديد الفترة الرئاسية، كما هو الشان في النظام البرلماني، حيث أن رئيس الحكومة يعين دائما من الأغلبية البرلمانية حتى ولو استمرت هذه الأغلبية عشرين سنة بدلا من تقييد العهدة بدورتين انتخابيتين فقط.
والنقطة الثانية هي حفظ حقوق الأغلبية سواء في التعيين في الحكومة أو الوزراء أو البرنامج الواجب التطبيق، والغاء منصب رئيس الحكومة وتعويضه بمنسق وزاري حيث أن السلطات التنفيذية يتولاها مباشرة رئيس الجمهورية.
المصطادين في المياه العكرة اعتبروا بلخادم يلعب بالنار لانه يريد أن يفتح الباب أمام الملكية الجمهورية، ويحجز مقعدا للرئيس/الملك بوتفليقة في قطار الحكام العرب الجمهوريون والملكيون، حتى لا يكون استثناء من القاعدة العامة التي تحكم الامة العربية والاسلامية!
طبعا المصطادين في المياه العكرة اعتبروا بلخادم يلعب بالنار لانه يريد أن يفتح الباب أمام الملكية الجمهورية، ويحجز مقعدا للرئيس/الملك بوتفليقة في قطار الحكام العرب الجمهوريون والملكيون، حتى لا يكون استثناء من القاعدة العامة التي تحكم الامة العربية والاسلامية!
لكن الذين عرفوا الرجل الهادئ الذي يحسن التفكير ويعرف كيف يخاتل الثعالب اعتبروا ذلك مجرد قطعة عظم محنط رماه لغلاة الاستئصاليين حتى يتلهوا به، ويجعلهم لا ينتبهون للانقلاب الأبيض الذي يقوده، ويركزوا نقدهم على تمديد عهدة بوتفليقة. لان بوتفليقة في حد ذاته أمره مفروغ منه، هذا إذا صدقت التقارير الطبية الواردة من العاصمة باريس، دون ان ننسى تمنيات اويحي للرئيس بالشفاء وهو يغادر قصر الحكومة قبل شهر تقريبا.
فالحديث عن كون التعديل الدستوري هو مجرد حيلة لتجديد عهدة الرئيس المريض قد يبدو أمرا مضحكا.
وقراءة بلخادم هي ان المستقبل السياسي سيكون لجبهة التحرير ومن ثم لماذا لا يفكر في التمهيد لتربعها على عرش السلطة بدل هذا الالتواء والاغراب في المسلكية السياسية.
وما يعزز هذا التوجه ان جبهة التحرير تنفرد بالساحة السياسية عمليا ولا منافس جدي في الأفق، فقد تم تحجيم حزب الإدارة بعد عودة جبهة التحرير إلى احضان السلطة، ومن ثم فإن الحاجة إلى حزب التجمع الديمقراطي الوطني لم تعد موجودة وهذا الحزب الورقي هو حزب اداري بحت يموت ويحي بالريموت كنترول. ولعل لذلك ما يعززه هذه الأيام في الهجرة الجماعية للمناضلين الموظفين من بيت التجمع إلى بيت الجبهة. وقد نشرت بعض الصحف تصريحا سياسيا لأحد القيادين المناضلين في حزب التجمع قال فيه بأن مكتب الحزب أصبح خاويا على عروشه ولم يبق فيه إلا “العساس” (الناطور) – الحارس – وهذا الأخير سيغلق الباب خلفه بمجرد ان يستلم الراتب المتأخر.
أما الاسلاميين فإن خطرهم مستبعد خاصة في العشرية القادمة على الأقل، في حين ان تيار الفرانكوش قد انتهى وهو يعاني من الموت السريري قبل ان يقبر للأبد. فالطريق ممهد ومفروش امام جبهة التحرير التي طردت من الباب فعادت ومن بين ثنايا لحية بلخادم.
اسس الدستور الديمقراطي
وأيا كانت التأويلات المغرضة وغير المغرضة وقبل أن يكرمنا السيد بلخادم بالاعلان رسميا عن مسودة الدستور المقترح، نختم هذه المقاربة بذكر أسس الدستور الديمقراطي تذكيرا وتنويرا ومساهمة في النقاش.
أي دستور ديمقراطي يجب ان يتضمن المبادئ الكلية التي جاءت بها الديمقراطية كآلية لممارسة السلطة وعلى رأسها ضمان أكبر قدر من المشاركة الشعبية المرتكزة على قاعدة المساواة دون تمييز بين المناطق والأعراق وعدم تدخل السلطة الحاكمة في ميادين الحريات الشخصية إلا في حالة الاخلال بالالتزام الاجتماعي وحينئذ يكون التدخل ذو طابع قضائي وليس سياسي.
لا شك ان أي دستور ديمقراطي يجب ان يتضمن المبادئ الكلية التي جاءت بها الديمقراطية كآلية لممارسة السلطة وعلى رأسها ضمان أكبر قدر من المشاركة الشعبية المرتكزة على قاعدة المساواة دون تمييز بين المناطق والأعراق وعدم تدخل السلطة الحاكمة في ميادين الحريات الشخصية إلا في حالة الاخلال بالالتزام الاجتماعي وحينئذ يكون التدخل ذو طابع قضائي وليس سياسي.
ومن مقتضيات الديمقراطية أن تكون حدود التدخل معروفة سلفا ومحددة المجال وليس قائمة على مساحات سياسية تتسع وتتقلص بحسب المزاج السلطوي. ولذلك فغن كل دستور ديمقراطي يجب أن يرتكز على ما يلي:
• الشعب مصدر السلطات التي يجب ان يتولاها عبر ممثليه المنتخبين بشكل حر ومستقل بعيدا عن أي اكراه او ضغط او ترهيب مادي أو معنوي.
• المساواة بين جميع المواطنين وخضوعهم لكافة الواجبات والحقوق وتخويلهم مسؤولية حفظ الدولة ورعاية استقلالها وتمكينهم من المشاركة في الدولة وتسيير مرافقها مع اخضاعهم لذات الشروط دون تمييز.
• ضمان حق حرية التعبير والتجمع والمعارضة والنقد وحق الحماية القانونية وحق التقاضي.
• حق تأسيس الاحزاب السياسية والنقابات المهنية والجمعيات الاجتماعية والثقافية مضمون بالدستور لكل المواطنين.
• تقييد الهيئات التنفيذية بالصلاحيات الدستورية، وكل خروج عنها يعتبر نقض لمقتضى التفويض الشعبي.
• الفصل بين السلطات ضمانا للرقابة المتبادلة، وتحقيقا للتوازن السياسي، ومنعا لتداخل الصلاحيات.
• احترام مبدا الأغلبية وحماية حقوق الأقلية.
• الحد من تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي إلا بالقدر الذي يحقق الرعاية الاجتماعية والتكفل بشؤون الامن الوطني أي حرية النشاط الاقتصادي.
• ضمان مبدأ التداول على السلطة ومنع احتكارها.
• احترام استقلالية السلطة القضائية وايجاد الضماناتع الدستورية للقضاء في حالة تعسف السلطة التنفيذية.
وعلى ضوء هذه الرؤية فغننا نسلم مسبقا بأن هناك بعض الأوضاع الدستورية التي يصعب اختراقها وغن كان لا يصعب الالتفاف عليها، ومن ثم لا يتصور التراجع عن كون الشعب مصدر السلطات او مبدا المساواة بين المواطنين وخضوعهم لذات الواجبات والحقوق او عدم الاعتراف باستقلالية القضائ او الاعتراف بحق التجمع واملعارضة وتشكيل الاحزاب السياسية، وذلك من حيث المبدأ. فالمبادئ العامة يصعب اختراقها حتى بالنسبة للنظم الملكية والشمولية الفردية، لكن بالنسبة لمبدا الفصل بين السلطات وتحديد الصلاحيات لكل سلطة، وطريقة الاعتراف بالتنوع السياسي والاجتماعي وكذلك الضمانات الدستورية لتحقيق مبدا التداول على السلطة ومنع احتكارها تلك هي الآليات الحقيقية التي تجعلنا نقف مؤيدين او معارضين لدستور بوتفليقة عندما يكشف عنه طبعا.