الثقافة

عندما يصفع الفرنسيون الفرانكفونيين الأغبياء في الجزائر

اللغة الإنجليزية إجبارية في مدارس فرنسا

متابعة: رياض حاوي 

ماذا سيقول لنفسه بن زاغو الجزائري الذي جعل اللغة الفرنسية إجبارية على أبناء جلدته من الجزائريين بداية من أطوار التعليم الأولى، عندما يقرأ تقرير إصلاح منظومة التعليم الفرنسية الذي أعده نظيره الفرنسي “تيلو” والذي طالب أن تكون الإنجليزية لغة التواصل العالمي مدمجة في التعليم الابتدائي الفرنسي بداية من القسم الثاني. لا شك انه سيصاب بالدوار وربما يعود له رشده ويقول في نفسه ماذا فعلت بأجيال الجزائر الصاعدة.

وبكل تأكيد فإن القرار الفرنسي سيكون صفعة لدعاة تعميم اللغة الفرنسية على منظومة التعليم في الجزائر خصوصا وفي شمال افريقيا عموما. وللأسف فقد بدأت عملية تنفيذ مقترحات إصلاح التعليم التي تقدمت بها لجنة بن زاغو الشهيرة، وأصبح بموجب ذلك هناك إلزامية لدراسة اللغة الفرنسية بداية من القسم الثاني، بعد أن كانت في القسم الرابع. كما فرضوا على رجال التعليم أن يستعملوا الترميز الرياضي باللغة الفرنسية بعد أن كانوا يستعملونه باللغة العربية منذ اكثر من عشرين سنة.

قد لا يستطيع المرء في أحيان كثيرة ان يفهم ما هي الاهداف البيداغوجية والتربوية التي تجعل منا ملاحق ثانوية وتوابع غير أصيلة لمنظومات معرفية وثقافية تجاوزها الزمن، فعندما يصيح كلود تيلو (Claude Thelot) في تقريره الذي عرضه على مجلس الوزراء الفرنسي ملاحظا:”تدهور مستوى التعليم لأبناء الفرنسيين” ومقترحا ضرورة “تعميم تعليم اللغة الإنجليزية بداية من القسم الثاني” نجد أن التوابع عندنا يسبحون بحمد الفرنسية ويلهجون بذكرها.

لقد لاحظنا كيف أن المقترح الخاص بتحسين وتعميم تدريس اللغة الانجليزية قد أيده رئيس الوزراء الفرنسي رافاران باعتباره مقترحا أساسيا في تقرير لجنة النقاش الوطني حول مستقبل المدرسة الفرنسية التي يرأسها كلود تيلو، والتي توصلت إلى أهمية أن يتقن كل الفرنسيون استعمال اللغة الإنجليزية أثناء تمدرسهم باعتبارها لغة التواصل العالمي. ومن ثم فإنها تقترح ان يتم ادخال تعليم اللغة الإنجليزية بداية من القسم الثاني وتأجيل تعليم لغة أجنبية ثانية إلى القسم الخامس. ولعله من اهم الدوافع لذلك ما تم ملاحظته من أن 97% من تلاميذ المدارس الفرنسية يسعون تلقائيا إلى تعلم اللغة الإنجليزية بسبب الحاجات الحيوية التي يفرضها المحيط العالمي المتغير، ولكن هؤلاء التلاميذ يتعلمون الإنجليزية بطريقة سيئة ومستواهم ينحدر من سنة إلى أخرى. ويضيف تيلو أن عدم معرفة اللغة الإنجليزية يعتبر إعاقة في إطار بناء الاتحاد الأوروبي، على الأقل باعتبار اللغة الإنجليزية لغة التواصل العلمي، والتي تشكل الحد الأدنى المشترك بين الأمم الأوروبية.

للأسف الشديد ما نلاحظه أن أشباه المثقفين وانصاف المتعلمين في العالم العربي يهيمنون على الشأن العام، وقد لا نضرب خط الرمل إذا قلنا انه لو كتب لتقرير تيلو أن يظهر قبل تقرير بن زاغو في الجزائر فإن مصير اللغة الفرنسية سيعرف تغيرا جوهريا وان الإنجليزية ستحتل مكانتها اللائقة بها، لأن هؤلاء يحسنون التقليد ويسرون على خطى ملهميهم وراء البحار، ولن يدخرون جهدا في نسخ وتقليد تقرير تيلو وتطبيقه بحذافيره.

لست ادري كيف يرى هؤلاء التاريخ وكيف ينظرون للعالم وكأني بهم لا زالوا يعيشون في عهد الإمبراطور الفرنسي الطموح بونبارت أو في عهد الغزو الفرنسي للعالم، وحيث كانت الراية الفرنسية لا تغرب عنها الشمس. إنه التوقف في لحظة الماضي والسكن مع ثقافة الهيمنة والسيطرة هو الذي ينتج مثل هذه القرارات اللاتاريخية والتي تنعكس سلبياتها على أجيال برمتها وتزيد من تخلف البلاد عن السير في ركب التقدم والتطور الصناعي.

قبل بضعة سنوات كنت اتجول في مدينة العلمة الجزائرية وقد هالني حركة النشاط التجاري الكبير، حتى أنها تعرف من أكبر المراكز التجارية حاليا في الجزائر، وخاصة قدرة هؤلاء التجار النشطين على جلب السلع والبضائع من مختلف بقاع الأرض. وقد صادف أن دخلت في حوار مع أحد هؤلاء التجار الذي وجد متعة في أن يحدثنا عن مغامراته في البلاد البعيدة في الصين، وأخذ يتحرك في متجره ذهابا وإيابا وهو يسرد تفاصيل العالم الغريب. وعندها قفز إلى ذهني سؤال هام: بأي لغة سيتخاطب مع نظرائه التجار في تلك البلاد البعيدة؟ وعندما طرحت عليه السؤال شعرت وكأنه تضايق من هذا السؤال الذي يذكره أساسا بجوانب النقص، أو بالأحرى اخفاقات الرحلة. وقال ممتعضا لقد استأجرنا مترجما، ودفعنا له كثيرا، لا يمكننا التحاور معهم، فنحن لا نعرف لا الإنجليزية ولا الصينية. وفجأة أشع وجهه من جديد واستدرك قائلا:”ابني يدرس في الجامعة في قسم اللغة الإنجليزية وبعد أن يتخرج سيساعدنا في العمل، فاللغة الإنجليزية هي لغة “البيزنس” اليوم” واستعاد التاجر النشيط حيويته بعد أن شعر بأنه يمسك بمفتاح الذي يفتح له باب التواصل مع عالم الاعمال.

لعل وعي هذا التاجر يتجاوز بأحقاب تاريخية وعي رئيس لجنة إصلاح التعليم عندنا الذي تفتقت ذهنيته على فرض لغة أعاقها الزمن وهجرها حتى أبناؤها لأنها لا تصلح للزمن الجديد. وإنكار هذه الحقيقة ينم عن جهل كبير بحقائق الوجود التي تحيط بنا من كل جانب فهذه شبكة الانترنيت التي تضم ملايين بل ملايير المواد الإعلامية والإخبارية والعلمية والترفيهية تستند في أكثر من 90% منها على اللغة الإنجليزية. وقديما قال الحكماء: “يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعل العدو بعدوه”.

إن الذين يريدون إحياء اللغة الفرنسية من جديد مثلهم كمثل الذي يحرث في الماء كما يقول الجزائريون ولن يتعدى دورهم سوى عرقلة التطور الطبيعي للمنظومة التعليمية ومسايرتها للتغيرات العالمية حتى تستطيع أن تؤهل الأجيال الجديد وتسلحها بأدوات مواجهة التحديات المعاصرة، ولا محالة أن التاريخ سيذكرهم كمعرقلين لا كمبدعين.

والأمر لا يتعلق باللغة الإنجليزية باعتبار جوهرها بقدر ما يتعلق بأهمية تيسير تعاطي المجتمع مع التطورات العلمية والتكيف مع عالم الأعمال ومتطلبات التجارة الدولية ولو أصبحت غدا اللغة اليابانية أو الصينية هي اللغة الأولى من حيث التداول عالميا لكان موقفنا نفسه منها من حيث الدعوة لتيسيرها وتقريبها. ذلك أن القصد بالأساس هو التواصل مع العالم والتفاعل مع جهات الأرض الأربع والاستفادة مما وصلت له البشرية باستعمال أقصر الطرق وأنجع الوسائل.