مشاريع الإسكان في الجزائر: نظرة تقييم
بقلم: رياض حاوي
هناك مغالطة كثيرا ما تستعمل عندما يكون الأمر يتعلق بتقييم بعض المشاريع تقييما موضوعيا وهي اللجوء للغة الأرقام والاحصائيات، وهي لغة تعطي الانطباع بوجود جدية في التعامل مع القضية وهذه الجدية معززة بلغة الأرقام ولكن في الحقيقة كثيرا ما تستعمل الأرقام لاخفاء الوجه الحقيقي للمشكلة و مِن ثَم تغييب التقييم الموضوعي المطلوب.
وإذا وقفنا قليلا عند لغة الأرقام فإن ملف السكن في الجزائر الذي انطلق بوعد كبير يتمثل في انجاز مليون سكن اجتماعي تتكفل الدولة بانجازه في فترة خمس سنوات أي من 2004 إلى نهاية 2009 ، وقد أظهرت الأرقام التي نشرتها بعض وسائل الاعلام في وقت سابق إلى أنه ومنذ جانفي 2005 إلى غاية منتصف السنة الماضية تم استيلام 583.888 وحدة سكنية ضمن جميع الصيغ، حيث استلم 132.810 وحدة سكنية في 2005 و177.792 في 2006 و179.983 في 2007 في حين استلم خلال السداسي الأول من 2008 الماضي 93.638، أما المشاريع التي هي في طور الإنجاز فتبلغ 542.075 وحدة سكنة، أما المشاريع المبرمجة والتي لم تنطلق بعد فتبلغ 342.880 وحدة سكنية مما يجعل مجموع هذه البرامج يفوق 1.450 مليون سكن وقد استهلك السكن العمومي الإيجاري ما نسبته 44 بالمئة من إجمالي البرنامج الخماسي وخصصت له ميزانية تبلغ 31.73 مليار دينار، أما السكن الريفي فاستهلك 32 بالمئة من هذه الميزانية، في حين استهلك البيع بالإيجار 9 بالمئة بينما بلغت حصة الإعانات العمرانية 15 بالمئة.
وهنا علينا ان نسجل أن مجهودات كبيرة بذلت من أجل الخروج بحل عملي لمشكلة السكن يخفف العبء عن مئات بل آلاف العائلات المحرومة من السكن الاجتماعي الذي يليق بمتطلبات الحياة المعاصرة، وشهدت البلاد تطورا ملموسا في هذا الجانب في فترة وجيزة وانفجرت المشاريع العمرانية في مختلف الولايات ومختلف ربوع الوطن وتحركت عجلة التنمية المرافقة لاطلاق مثل هذه المشاريع الكبرى.
وقد ساعدت السيولة المالية التي تدفقت السنوات الماضية جراء الارتفاع غير المسبوق للنفط الخام في الأسواق الدولية على توفير الأغلفة المالية المناسبة لتحريك هذا الملف الذي يحظى بأولوية اجتماعية وسياسية عالية المستوى.
في بعض الملفات لا مناص من التقييم الكيفي أن يصاحب التقييم الكمي ويسبقه من حيث الأولوية والأهمية، لأن انجاز المشروع بأية كيفية سيصبح مثل عدم انجازه أصلا لان ما نبغيه من تحسين للمستوى وتطوير للخدمات وخلق فرص العمل الجديدة لم يتحقق. وسنفاجأ في دولة مثل الجزائر تشهد معدل بطالة مرتفع ومتعاظم يوما بعد يوم تم اللجوء إلى العمالة الاجنبية لتساهم في عمليات البناء وبشكل واسع.
طبعا من الصعب أن نهضم كيف يتم توظيف البطالين من دول أخرى وحرمان مواطنين في أمس الحاجة لذلك من نفس الفرص، ونحن هنا لا نريد أن نعلق على ما يتردد في بعض الأوساط بان “العامل الجزائري” كسول ولا يريد ان يعمل، لأن هذا نوع من خداع النفس وإخراج النقاش من نطاقه الطبيعي إلى نطاق ثقافي وانثربولوجي لتضليل المستمع.
مشروع الإسكان ربما هو أهم مشروع عرفته الجزائر منذ عدة عقود وكان من المفروض أن يكون رافعة حقيقية للاقتصاد ككل، فالحكومات التي تهتم بالسكن هي في حقيقة الأمر تهتم بمحرك أساسي لعشرات القطاعات الاقتصادية دفعة واحدة لأن بناء وحدة سكنية تتداخل فيه عشرات الخبرات والتخصصات المهنية ومئات المواد المصنعة المتعلقة بالبناء. ولذلك على الرغم من أن الاحصاءات تقول بانه تم استلام فعليا ما يزيد عن نصف مليون وحدة سكنة حتى نهاية السنة الماضية وان النصف الباقي سيسلم في آجال قريبة جدا وهو رقم ضخم وانجاز هام إلا أن أثر هذا الرقم الضخم على شبكة الاقتصاد لا يكاد يرى.
وبتعبير آخر قطاع السكن هو صانع الفرص الاقتصادية الكبرى للاقلاع والنهوض إذا تم الاستفادة من ذلك بطريقة سليمة ومتدرجة دون القفز على سلم الأولويات والاهتمام فقط بالمنجز الكمي لارضاء جهات عليا أو دنيا بغض النظر عن الطرق والكيفيات التي تم بها تحقيق مثل هذا المنجز.
| فمن البديهيات أن قطاع البناء عموما ومنه قطاع الاسكان هو فرصة لخلق عشرات الصناعات الصغيرة التي تسير بشكل متواز مع المشروع تخدمه وتستفيد منه في كل المجالات التي يتصورها الانسان سواء التصنيع لمختلف ما تحتاجه الوحدة | قطاع السكن هو صانع الفرص الاقتصادية الكبرى للاقلاع والنهوض إذا تم الاستفادة من ذلك بطريقة سليمة ومتدرجة دون القفز على سلم الأولويات والاهتمام فقط بالمنجز الكمي لارضاء جهات عليا أو دنيا بغض النظر عن الطرق والكيفيات التي تم بها تحقيق مثل هذا المنجز.
|
| السكنية مثل صنابير المياه أو مصابيح الكهرباء أو ديكورات البيت النسيجية أو تهيئة الأراضي وتجميل المحيط وما إلى ذلك من نجارة وحدادة وسباكة… الخ | |
وبعد انجاز السكن تاتي فرص عشرات الوظائف الخدمية الأخرى التي تكون كلها منصبة على خدمة المشروع قبل وأثناء وبعد اكتماله. إنه آلة جبارة لتحريك عجلة الاقتصاد كله واخراجه من الدائرة المغلقة.
بيد أن الامر عندنا يبدو بشكل مختلف نوعا ما؟
فمشروع الاسكان تم التعامل معه بنفس العقلية القديمة التي عرفتها الجزائر منذ مطلع السبعينات والتي عرفت بعبارة “مصانع المفتاح في اليد” وهنا يمكننا القول أن الوضع مشابه ولكن بمفهوم “السكن المفتاح في اليد” فمعظم المشاريع الكبرى تم تسليمها لمقاولين أجانب وبشروطهم، وهؤلاء وضع أمامهم هدف واحد وهو تسليم المشروع في أجل محدد. أما كل المحيط الاقتصادي الذي يحيط بالمشروع فقد تم تجاهله بصورة أو بأخرى، فالسكن ينجز بعمالة أجنبية، وبمواد بناء أجنبية، وبمنتجات صناعية كثير منها إن لم يكن معظمها مستورد، أي ان المشروع الذي يفترض فيه بانه اهم مشروع لتخفيف حدة البطالة وتقديم دعم غير مباشر لعشرات المؤسسات الاقتصادية الصغيرة وتأهيلها واعطائها الفرصة التاريخية كي تتعلم وتتطور مر عليها القطار دون ان تتاح لها فرصة لركوبه.
والذي حصل أن جزءا من السيولة النقدية التي جاءتنا عن طريق بوابة النفط غادرتنا عن طريق نافذة المقاولات الأجنبية، بدلا من أن تدور بين قطاعاتنا الاقتصادية كما تدور الدماء الجديدة التي تبث الحياة في الجسد الواهن.
طبعا صانع القرار كان أمام هاجس توفير السكن بأية كيفية بدلا من ترك ملايين الجزائريين في ظروف سكنية متدنية جدا، وهذا بكل تقدير هاجس مشروع ومقلق ولكن غاب بشكل او بآخر عن صانع القرار ان الفرص التاريخية لا تأتي كل أسبوع، فتفويت فرصة تحريك الاقتصاد عن طريق رافعة البناء قد يكون خطا تاريخي يسجل في سجل الأخطاء الاستراتيجية. وقد جاءت الأزمة المالية العالمية الراهنة التي جعلت أسعار النفط تتدنى بشكل غير مسبوق لتعزز من هذا التقييم الذي يعتبر إنجاز مشروع السكن بالكيفية التي تمت فرصة ضائعة إذا نظرنا للصورة بشكل شامل ودقيق.
وما يميز مشاريع السكنات المنجزة هو تركيز غير عاد على الكم دون كبير التفاف أو اهتمام بنوعية السكنات المنجزة ومحيطها حتى وكأن المواطن الجزائري ليس له الحق في أن يتمتع كما بقية عباد الله في هذه الأرض بالسكن اللائق والمحيط المتأنق والخدمات الميسرة. ولذلك عندما نقارن ما أنجز عندنا من عقارات وما هو منجز عند غيرنا وبذات الوسائل وربما بامكانيات مالية أقل سنجد أن هناك فرق كبير من الناحية الجمالية وتنسيق المحيط وفضاءات الأطفال مما سينعكس حتما على الذهنيات والمنظومة الاجتماعية على المدى البعيد مما يساهم في ترقية وعي الانسان بمحيطه ومسؤوليته اتجاه سكنه ويخفف من حدة العنف الاجتماعي بتوفير فضاءات التلاقي والتعايش والمشاركة وكلها عوامل كانت في متناول اليد لو تأنينا قليلا واعتبرنا المشروع له طابع مصيري واستراتيجي وليس مشروعا لحل أزمة السكن فقط.
نشر في جريدة المحرر