تكامل الأجيال
كتب: رياض حاوي
عشت لحظتين ارويهما هنا..

كانت صورة فرحات عباس رحمه الله، هي الصورة التي صنعها التاريخ النمطي، او التاريخ المدرسي، التاريخ المدرسي يختزل قضايا عميقة للتبسيط وتقريب المفاهيم… وهذه مشكلة عامة وليست جزائرية خاصة… دعاة الحركة الوطنية وعلى راسها مصالي الحاج والحركة الاصلاحية على راسها بن باديس ودعاة الادماج وعلى راسهم فرحات عباس… ولصقت هذه به كل تاريخه.. ويضاف له مقال كتبه.. ويحكم على تاريخه كله بذلك المقال دون مراعاة للتغيرات ولا للظروف وووو…
اتيحت لي صحبة قصيرة مع الشيخ حمودة بن الساعي في مدينة باتنة سنوات قليلة قبل وفاته، كنت ازوره، ويكرمنا ببعض اللفتات واللقطات مما اكرمه الله، وكان يذكر بن جلول وفرحات عباس بخير كبير.. وقلت له كيف وفرحات عباس من دعاة الادماج… فنر لي رحمه الله ورد علي وهو يحكي عن مقال كتبه ضابط فرنسي متقاعد يحذر من فرحات عباس ويعتبره اخطر وجه في الحركة الوطنية وذكر هذه العبارة.. “فرحات عباس يدعو للادماج وتحقيق المساواة في المواطنة ويخفي علم الجزائر في جيبه.. فاذا حقق بعض المطالب فانه يخرج علم الجزائر ويطلب بالاستقلال” … وربما منذ تلك اللحظة تغيرت نظرتي بنسبة 180 درجة لفرحات عباس رحمه الله… فالوطنيين دعاة الاستقلال رضوا بالدخول في الانتخابات بنفس المبررات التي كان يسوقها فرحات عباس لاختراق المشهد الفرنسي…
وهذا الدرس
علمي احترام هؤلاء باغض النظر عن الاحكام الجزئية المرتبطة بهذا الموقف او ذاك او بهذا المقال او ذاك او بهذه الكلمة او تلك التي ذكرها في هذا اللقاء او ذاك…

والمشهد الثاني حصل بعد فوز الجبهة الاسلامية للانقاذ في الانتخابات البرلمانية المقبورة… وذهبنا عند استاذنا الشيخ “ج ش” .. وكان مرشحا عن الجبهة فائزا من الدور الاول.. ونحن نتجاذب اطراف الحديث .. جاء الحديث عن رئيس البرلمان.. وكان ايت احمد الحسين قد نجح في الدور الأول من الانتخابات… فقال كلمة … لا يمكن لاحد ان يتقدم حسين ايت احمد في رئاسة البرلمان، برلمان الجبهة الذي حققت فيه الاغلبية، .. استغربنا الأمر وقلنا له انه محسوب على التيار العلماني وهو مناوئ للجبهة.. فرد بصرامة وقناعة كاملة تملأ جوانحه… سيكون من العيب والعار علينا، او يكون بيننا رجل مثل ايت احمد وهو من هو كرمز من رموز الثورة والاستقلال اولا وكرمز معارض للنظام القائم ثانيا.. وياتي واحد من جيل الاستقلال ويتقدم عليه… احسن واحد يصلح في البرلمان رئيسا هو حسين أيت احمد… وكان ذلك الدرس الثاني…
الأمم ترقى بالحس الحضاري وتكامل الأجيال .. واحترام بعضها بعضا.. وتقدير جهاد كل جيل…